تقرير جديد يدق ناقوس الخطر: ثلاث جهات في القمة و 72 في المائة من الفقراء يعيشون بالعالم القروي.. والأمية والهدر المدرسي وخصاص الصحة ترسم خريطة المغرب المنسي

رغم الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب خلال العقدين الأخيرين، ورغم الأرقام الإيجابية التي تتحدث عن نمو اقتصادي وتحسن في عدد من المؤشرات الماكرو-اقتصادية، فإن الواقع الميداني ما يزال يكشف عن مفارقة صارخة بين مغربين؛ مغرب يستفيد من الاستثمارات والبنيات التحتية وفرص الشغل، ومغرب آخر ما يزال يصارع الفقر والهشاشة والعزلة ونقص الخدمات الأساسية.
هذه الخلاصة القوية حملها تقرير حديث صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، والذي رسم صورة دقيقة للفوارق المجالية التي ما تزال تنخر النموذج التنموي الوطني، مبرزا أن ثمار النمو الاقتصادي لا تتوزع بشكل عادل بين مختلف جهات المملكة، وأن التنمية ما تزال متمركزة في عدد محدود من الأقطاب الاقتصادية الكبرى، بينما تظل مناطق واسعة خارج دائرة الاستفادة الحقيقية.
ثروة البلاد تتركز في ثلاث جهات فقط
التقرير كشف معطى يطرح أكثر من علامة استفهام حول العدالة المجالية بالمغرب؛ إذ تستحوذ ثلاث جهات فقط على ما يقارب 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني.
ويتعلق الأمر بجهات الدار البيضاء ـ سطات والرباط ـ سلا ـ القنيطرة وطنجة ـ تطوان ـ الحسيمة، وهي الجهات التي تحتضن أكبر المشاريع الاقتصادية والصناعية والمالية واللوجستيكية بالمملكة.
أما جهة الدار البيضاء ـ سطات وحدها، فتنتج ما يفوق ثلث الثروة الوطنية، وهو ما يعكس حجم التمركز الاقتصادي الذي ما يزال يميز النموذج التنموي المغربي، حيث تتجه الاستثمارات العمومية والخاصة والبنيات التحتية الكبرى نحو نفس المحاور الاقتصادية منذ عقود.
وفي المقابل، تجد جهات أخرى نفسها عاجزة عن مواكبة هذه الدينامية بسبب ضعف النسيج الاقتصادي وقلة المشاريع المهيكلة ومحدودية فرص الاستثمار والتشغيل.
المغرب النافع والمغرب المنسي
ورغم أن هذا التعبير يعود إلى فترات تاريخية سابقة، إلا أن مضامين التقرير تعيد إحياء النقاش حول استمرار مظاهر التفاوت بين مناطق تستفيد من التنمية بشكل متسارع، وأخرى ما تزال تنتظر نصيبها من العدالة الترابية.
ففي الوقت الذي تعرف فيه بعض المدن الكبرى توسعا عمرانيا ضخما وشبكات نقل متطورة ومناطق صناعية ومشاريع استثمارية بمليارات الدراهم، ما تزال مناطق قروية وجبلية عديدة تواجه صعوبات يومية مرتبطة بالتنقل والصحة والتعليم والتشغيل.
ولا يتعلق الأمر فقط بمؤشرات اقتصادية مجردة، بل بواقع اجتماعي ينعكس مباشرة على جودة حياة المواطنين وعلى فرصهم في الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.
72 في المائة من الفقراء يعيشون في القرى
ومن بين أكثر الأرقام إثارة للقلق تلك المرتبطة بالفقر متعدد الأبعاد، الذي يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط مستوى الدخل، بل أيضا الولوج إلى التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية.
فبينما سجل المغرب تراجعا وطنيا في معدلات الفقر خلال السنوات الأخيرة، فإن التقرير يؤكد أن حوالي 72 في المائة من الأشخاص الذين يعيشون أوضاعا هشة يتمركزون في العالم القروي.
وتكشف هذه المعطيات أن الفقر لم يعد مجرد إشكالية اقتصادية، بل أصبح ظاهرة مجالية مرتبطة بمكان الإقامة، حيث تختلف فرص الولوج إلى الخدمات الأساسية بشكل كبير بين المدن الكبرى والقرى والمناطق الجبلية.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن الحديث عن تنمية شاملة فيما ما تزال آلاف الأسر المغربية تعيش خارج دائرة الخدمات الأساسية وفرص العيش الكريم؟
الأمية.. الجرح المفتوح
ورغم البرامج الوطنية المتعاقبة لمحاربة الأمية، فإن الأرقام الواردة في التقرير تؤكد أن هذه المعضلة ما تزال حاضرة بقوة داخل المجتمع المغربي.
فحوالي ربع السكان ما يزالون يعانون من الأمية، مع تسجيل نسب أعلى في الوسط القروي وفي صفوف النساء، وهو ما يشكل عائقا حقيقيا أمام تحقيق التنمية البشرية وتقليص الفوارق الاجتماعية.
ويؤكد خبراء التنمية أن الأمية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي مدخل مباشر لإعادة إنتاج الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي عبر الأجيال.
الصحة.. مواطنون بدرجتين
وفي القطاع الصحي، يكشف التقرير استمرار الاختلالات الترابية في توزيع الموارد البشرية والتجهيزات الطبية.
فالأطباء والأطر الصحية والتخصصات الدقيقة تظل متمركزة بشكل كبير في المحور الممتد بين الرباط والدار البيضاء، بينما تعاني مناطق واسعة من خصاص حاد في الخدمات الاستشفائية الأساسية.
هذا الواقع يجعل آلاف المواطنين يقطعون عشرات أو حتى مئات الكيلومترات من أجل موعد طبي أو تدخل جراحي أو فحص متخصص، وهو وضع يتنافى مع مبدأ العدالة في الولوج إلى الخدمات الصحية الذي ينص عليه الدستور.
الهدر المدرسي.. مصنع الفوارق الاجتماعية
قطاع التعليم بدوره لم يسلم من هذه الاختلالات، إذ يواصل الهدر المدرسي تسجيل أرقام مقلقة، خصوصا في العالم القروي والمناطق الهامشية.
فأكثر من 294 ألف تلميذ وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة خلال موسم واحد فقط، وهو رقم يعكس حجم التحديات التي تواجه المدرسة العمومية في عدد من المناطق.
والأخطر أن أغلب المنقطعين عن الدراسة ينتمون إلى أوساط اجتماعية هشة، ما يجعل المدرسة عاجزة عن لعب دورها التقليدي كرافعة للترقي الاجتماعي وتقليص الفوارق.
النمو وحده لا يكفي
الرسالة الأساسية التي يبعث بها التقرير هي أن تحقيق نسب نمو اقتصادي، مهما كانت أهميتها، لا يكفي لوحده لبناء تنمية عادلة ومتوازنة.
فالتحدي الحقيقي اليوم لم يعد إنتاج الثروة فقط، بل كيفية توزيعها وضمان وصول آثارها إلى مختلف المواطنين والجهات والأقاليم.
إن المغرب الذي يراهن على إنجاح النموذج التنموي الجديد وعلى تعزيز الدولة الاجتماعية لا يمكنه أن يقبل باستمرار وجود مناطق تعيش خارج دينامية التنمية، أو أن يبقى مستقبل المواطن مرتبطا بالجهة التي ولد أو يقيم فيها.
ولهذا فإن الرهان المطروح اليوم يتجاوز لغة الأرقام والتقارير، ليصبح رهان عدالة مجالية حقيقية تجعل من الاستثمار في الإنسان وفي العالم القروي والمناطق الجبلية أولوية وطنية، حتى لا يبقى المغرب يسير بسرعتين مختلفتين؛ سرعة المدن الكبرى التي تجذب الثروة والفرص، وسرعة المناطق المنسية التي ما تزال تنتظر قطار التنمية منذ عقود.






