قضايا

الأرض تشتعل تحت أقدام العائلات.. مسلسل النزاعات العقارية يحصد الضحايا ويستنفر السلطات

لم يعد النزاع حول الأراضي والعقارات بالمغرب مجرد خلافات عائلية أو منازعات مدنية تُحسم داخل المحاكم، بل أصبح في عدد من المناطق يتحول إلى مواجهات عنيفة تسقط فيها الأرواح وتُزهق بسبب أمتار قليلة من الأرض أو خلافات متراكمة حول الإرث والحدود العقارية.

وفي أحدث هذه الوقائع، اهتز دوار لاداي التابع لجماعة بني بونصار بإقليم الحسيمة على وقع مواجهات عنيفة بين أفراد من عائلتين، بعدما تحول خلاف حول قطعة أرضية إلى اشتباكات دامية استُعملت خلالها أسلحة بيضاء وبندقية صيد، مخلفة خمسة جرحى على الأقل وحالة استنفار أمني واسعة بالمنطقة.

ووفق المعطيات المتوفرة، فإن الخلاف الذي بدأ بمشادات كلامية سرعان ما خرج عن السيطرة ليتحول إلى مواجهات مباشرة بين الطرفين، ما استدعى تدخل السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي التي سارعت إلى تطويق الوضع وإعادة الهدوء إلى المنطقة، مع فتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة المختصة لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عن هذه الأحداث.

وقد أسفرت التدخلات الأمنية عن حجز الأدوات المستعملة في المواجهة، بما فيها بندقية صيد، وتوقيف عدد من المشتبه في تورطهم في هذه القضية التي أعادت إلى الواجهة من جديد سؤال النزاعات العقارية المتفاقمة بالعالم القروي.

الحسيمة تعيد التذكير بمأساة تازة

حادثة الحسيمة تأتي بعد أسابيع فقط من الفاجعة التي هزت إقليم تازة، عندما تحول نزاع عائلي حول ترسيم حدود قطعة أرض وعائدات عقارية إلى مأساة دامية انتهت بمقتل شخصين من أسرة واحدة وإصابة فرد ثالث بجروح خطيرة، في حادث خلف صدمة واسعة داخل الرأي العام الوطني. وتشير المعطيات المتداولة آنذاك إلى أن الخلاف حول الأرض تطور إلى استعمال بندقية صيد، لتنتهي الواقعة بخسائر بشرية مأساوية داخل الأسرة الواحدة.

وأعادت تلك الحادثة النقاش بقوة حول حجم الاحتقان الذي بات يرافق ملفات الإرث والعقار في عدد من المناطق المغربية، خاصة عندما تتداخل الاعتبارات العائلية والاجتماعية مع غياب حلول توافقية أو تأخر الحسم القضائي في بعض الملفات.

الأرض.. من مصدر للعيش إلى سبب للمآسي

ويرى متتبعون للشأن القروي أن جزءا كبيرا من النزاعات المرتبطة بالأراضي يعود إلى تعقيد الوضعية العقارية لعدد من الأملاك، سواء تعلق الأمر بالأراضي الجماعية أو الأراضي السلالية أو الملكيات غير المحفظة أو العقارات الموروثة عبر أجيال متعددة دون توثيق دقيق.

وفي كثير من الحالات، تتحول خلافات بسيطة حول حدود أرضية أو ممر فلاحي أو حق استغلال قطعة أرض إلى صراعات طويلة الأمد تغذيها الحسابات العائلية والثارات القديمة وتراكمات سنوات من الخصومات.

ومع ارتفاع القيمة المالية للعقار والأراضي الفلاحية خلال السنوات الأخيرة، ازدادت حدة هذه النزاعات، وأصبحت الأرض بالنسبة لبعض الأطراف تمثل رأسمالا اقتصاديا كبيرا، ما يجعل الصراع حولها أكثر تعقيدا وأشد خطورة.

مؤشرات مقلقة تستوجب التدخل

الخطير في هذه الوقائع أنها لم تعد حالات معزولة أو استثنائية، بل أصبحت تتكرر في مناطق مختلفة من المملكة، سواء في الشمال أو الشرق أو الأطلس أو بعض المناطق الفلاحية، حيث تسجل المحاكم سنويا آلاف القضايا المرتبطة بالنزاعات العقارية والإرث.

ويرى مختصون في علم الاجتماع القروي أن العنف المرتبط بالنزاعات العقارية يعكس في جزء منه تحولات اجتماعية عميقة تعرفها الأسر المغربية، حيث تراجعت آليات الوساطة التقليدية التي كانت تلعبها العائلة الممتدة والأعيان والوجهاء، مقابل تصاعد منطق المواجهة المباشرة والاحتكام إلى القوة في بعض الحالات المعزولة.

الحاجة إلى وساطة استباقية

وتؤكد الوقائع المتكررة أن المعالجة الأمنية والقضائية، رغم أهميتها، تظل غير كافية لوحدها ما لم تواكبها آليات للوساطة الاجتماعية والتحسيس القانوني والتسريع في تسوية الملفات العقارية العالقة.

فكل نزاع عقاري يتم احتواؤه في بدايته عبر الحوار والوساطة يمثل حياة قد يتم إنقاذها، وأسرة قد يتم حمايتها من التفكك، ومجتمعا محليا يتجنب الدخول في دوامة من العنف والانتقام.

عندما تصبح الأمتار أغلى من روابط الدم

حادثة الحسيمة الأخيرة، وقبلها فاجعة تازة، تؤكدان أن أخطر ما في النزاعات العقارية ليس قيمة الأرض أو مساحتها، بل الثمن الإنساني الباهظ الذي قد يُدفع بسببها عندما تغيب الحكمة ويحل العنف محل القانون.

ففي النهاية، لا رابح في هذه الصراعات؛ الأرض تبقى في مكانها، بينما تخسر الأسر أبناءها، وتفقد القرى أمنها الاجتماعي، وتتحول خلافات كان يمكن حلها بمحضر صلح أو حكم قضائي إلى مآسٍ تترك جراحا عميقة في ذاكرة العائلات والمجتمعات المحلية لسنوات طويلة.

وأمام توالي هذه الحوادث، يبرز سؤال ملح: إلى متى سيظل النزاع حول الأرض يحصد الأرواح في المغرب؟ ومتى تتحول ثقافة الحوار والوساطة إلى خط الدفاع الأول قبل أن تصل الخلافات إلى نقطة اللاعودة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى