ملف الأحد | من المجلس الوزاري إلى الدولة الاجتماعية: جلالة الملك يقود التحول… ومؤسسات مطالَبة بالالتحاق بالسرعة القصوى

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
في لحظة سياسية فارقة تتجاوز منطق التداول المؤسساتي الاعتيادي، انعقد المجلس الوزاري الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، حاملاً في طياته مؤشرات واضحة على دخول المغرب مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أولويات الدولة، حيث لم يعد الأمر يتعلق بإقرار إصلاحات قطاعية متفرقة، بل بإطلاق دينامية شمولية لإعادة بناء النموذج التنموي على أسس أكثر صرامة ونجاعة، قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتسريع وتيرة التنفيذ، وإعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي في السياسات العمومية باعتباره حجر الزاوية في الرؤية الملكية المتبصرة.
إن قراءة متأنية لمخرجات هذا المجلس تكشف أن جلالة الملك لا يكتفي بدور التحكيم أو التوجيه العام، بل يقود فعلياً عملية إعادة هندسة الدولة في مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والترابية، من خلال إرساء توازن دقيق بين الرؤية الاستراتيجية والصرامة في التنزيل، وهو ما يضع مختلف الفاعلين، سواء الحكوميين أو الترابيين، أمام مسؤولية تاريخية تقتضي الارتقاء إلى مستوى هذا التحول العميق.
الفلاحة في صلب السيادة الوطنية… من تدبير الظرفية إلى بناء الاستدامة
لقد شكلت مداخلة وزير الفلاحة بين يدي جلالة الملك مناسبة لإبراز التحسن الملحوظ الذي شهده الموسم الفلاحي الحالي بفضل التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها مختلف جهات المملكة، وهو ما انعكس إيجاباً على مخزون السدود وعلى مردودية الزراعات الأساسية والأشجار المثمرة، غير أن القراءة السياسية لهذا المعطى الطبيعي تتجاوز منطق الارتياح الظرفي لتؤكد أن الرؤية الملكية تتجه نحو تحويل الفلاحة إلى رافعة استراتيجية للأمن الغذائي، وليس مجرد قطاع موسمي مرتبط بتقلبات المناخ.
فجلالة الملك، من خلال هذا التتبع الدقيق، يكرس توجهاً واضحاً يرمي إلى بناء منظومة فلاحية resilient قادرة على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية، وذلك عبر تعزيز حكامة الموارد المائية، ودعم الفلاحين، خاصة الصغار منهم، وإعادة هيكلة سلاسل الإنتاج والتسويق بما يضمن العدالة المجالية والاستدامة البيئية، وهو ما يعكس انتقال المغرب من منطق تدبير الأزمات إلى منطق استباق التحولات الكبرى.
التنمية الترابية المندمجة… نحو دولة قريبة من المواطن ومؤطرة بنتائج ملموسة
يشكل ورش التنمية الترابية المندمجة أحد أبرز العناوين الكبرى التي ميزت هذا المجلس الوزاري، حيث قدم عبدالوافي لفتيت وزير الداخلية عرضا مطولا و تصور متكامل يعكس إرادة ملكية صريحة في القطع مع نماذج التدبير التقليدية التي كانت تعتمد على مقاربات فوقية لا تعكس بالضرورة انتظارات الساكنة، ليتم تعويضها بمقاربة تشاركية تنطلق من التشخيص الترابي الدقيق، وتستند إلى مشاورات موسعة مع المواطنين، بما يجعل من الحاجيات الفعلية منطلقاً لكل برنامج تنموي.
وفي هذا السياق، يكتسي الغلاف المالي المخصص لهذه البرامج، والذي يناهز 210 مليارات درهم، دلالة سياسية واقتصادية عميقة، إذ يعكس حجم الرهان الذي تضعه الدولة على هذا الورش، غير أن الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الموارد، بل في آليات الحكامة التي تم إرساؤها، والتي تقوم على توزيع واضح للأدوار بين المستوى المحلي والجهوي والوطني، مع اعتماد آليات دقيقة للتتبع والتقييم، وإرساء مبدأ الشفافية من خلال منصات رقمية مفتوحة.
غير أن هذا التحول، رغم أهميته، يطرح تحدياً جوهرياً يتعلق بقدرة النخب المحلية والمنتخبة على مواكبة هذه الدينامية، إذ إن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى توفر كفاءات قادرة على تدبير المشاريع بفعالية، بعيداً عن منطق الريع السياسي أو الحسابات الضيقة التي عطلت في السابق العديد من المبادرات التنموية.
الجهوية المتقدمة… من الإطار القانوني إلى الفعل الاقتصادي
تندرج المصادقة على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات في صلب الرؤية الملكية الرامية إلى ترسيخ جهوية متقدمة حقيقية، تتجاوز الطابع الشكلي إلى ممارسة فعلية للاختصاصات، حيث يهدف هذا الإصلاح إلى إعادة توزيع الأدوار بشكل يضمن وضوح المسؤوليات، ويعزز استقلالية الجهات مالياً وإدارياً، بما يمكنها من لعب دور محوري في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن تحويل وكالات تنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة يمثل تحولاً نوعياً في فلسفة التدبير، إذ يجمع بين متطلبات الرقابة العمومية ومرونة القطاع الخاص، وهو ما من شأنه تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين جودة المشاريع، كما أن تعزيز الموارد المالية للجهات يمنحها القدرة على بلورة برامج تنموية طموحة تستجيب لخصوصيات كل مجال ترابي.
غير أن هذا التحول يضع الجهات أمام اختبار حقيقي، إذ لم يعد مقبولاً الاستمرار في تبرير التعثر بنقص الإمكانيات، بل أصبح معيار النجاح مرتبطاً بالقدرة على الابتكار والتدبير الفعال، وهو ما يفرض إعادة تقييم أداء النخب الجهوية في ضوء هذه المعطيات الجديدة.
المنظومة الصحية… تجسيد فعلي للدولة الاجتماعية بقيادة ملكية
يبرز إصلاح المنظومة الصحية كأحد أهم الأوراش التي تعكس بوضوح الرؤية الملكية لبناء دولة اجتماعية حديثة، حيث جاءت التعيينات التي صادق عليها المجلس الوزاري في إطار تنزيل المجموعات الصحية الترابية لتؤكد أن هذا الورش دخل مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد سنوات من الإعداد والتخطيط.
إن هذا النموذج الجديد يقوم على إعادة تنظيم العرض الصحي على أساس جهوي، بما يضمن توزيعاً عادلاً للخدمات، وتحسين جودتها، وتقريبها من المواطنين، وهو ما من شأنه الحد من الفوارق المجالية التي طالما شكلت أحد أبرز أعطاب النظام الصحي الوطني.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي اضطلع به وزير الصحة السابق خالد أيت الطالب، الذي كان من بين الفاعلين الأساسيين في بلورة هذا الإصلاح، حيث ساهم في وضع أسسه الهيكلية، سواء من خلال إطلاق ورش الحماية الاجتماعية، أو من خلال إعادة هيكلة المنظومة الصحية، رغم الإكراهات التي فرضتها جائحة كورونا وما رافقها من ضغط غير مسبوق على القطاع.
غير أن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في قدرة المسؤولين الجدد على ترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، من خلال تحسين جودة الخدمات، وضمان كرامة المرضى، وتعزيز الثقة في المرفق الصحي العمومي، خاصة في جهات مثل فاس مكناس، التي تعاني من اختلالات بنيوية تتطلب تدخلاً عاجلاً وفعالاً.
المغرب في محيطه الدولي… دبلوماسية استباقية تعزز المكانة الإقليمية
تؤكد المصادقة على مجموعة من الاتفاقيات الدولية أن المغرب يواصل تعزيز حضوره على الساحة الدولية، مستنداً إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، وترسيخ موقعه كفاعل إقليمي موثوق، وهو ما ينسجم مع الرؤية الملكية التي تجعل من الانفتاح على إفريقيا والعالم رافعة أساسية للتنمية.
نحو مرحلة الحسم… دولة في طور التحول العميق
إن المجلس الوزاري الأخير لا يمكن اختزاله في كونه محطة دستورية عادية، بل يمثل لحظة مفصلية في مسار التحول الذي يعرفه المغرب، حيث تتقاطع فيه الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية ضمن رؤية ملكية متكاملة، تسعى إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، وقريبة من مواطنيها.
وفي هذا السياق، يبدو واضحاً أن جلالة الملك محمد السادس يقود هذا التحول بإرادة حازمة، واضعاً الإطار العام ومحددًا الأولويات، في حين تبقى مسؤولية التنزيل على عاتق مختلف الفاعلين، الذين أصبحوا مطالبين أكثر من أي وقت مضى بالارتقاء إلى مستوى هذه المرحلة، لأن منطق التردد لم يعد مقبولاً، ولأن رهان الدولة الاجتماعية لم يعد يحتمل التأجيل أو التسويف.
إنها لحظة سياسية بامتياز، عنوانها العريض: المغرب يتحول… ومن لا يواكب هذا التحول، سيجد نفسه خارج معادلة المستقبل.






