سياسة

ملف الأحد: إلى أين تسير الأحزاب المغربية في أفق 2026؟ من وعود 2021 إلى امتحان صناديق الاقتراع… هل دخلت السياسة المغربية مرحلة إعادة الفرز؟

ملف الأحد من إعداد : عبدالله مشواحي الريفي

لم يعد النقاش السياسي في المغرب اليوم يقتصر على سؤال من سيفوز في الانتخابات المقبلة، بل أصبح أعمق بكثير، لأنه يمس جوهر الحياة الحزبية نفسها. فمع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، تتسارع وتيرة التحركات داخل مختلف التنظيمات السياسية، وتعود القيادات الحزبية إلى الواجهة بخطابات جديدة، ولقاءات تنظيمية مكثفة، وخرجات إعلامية متتالية. غير أن هذه الحركية التي تبدو للوهلة الأولى علامة على حيوية المشهد السياسي، تخفي في العمق إشكالية أكبر تتعلق بمستقبل العمل الحزبي في المغرب، وبقدرة الأحزاب على استعادة ثقة المواطنين بعد سنوات من التراجع في منسوب التأطير السياسي وتزايد المسافة بين التنظيمات الحزبية والشارع.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة ليس فقط كيف تستعد الأحزاب للانتخابات المقبلة، بل إلى أين تسير الأحزاب المغربية في أفق 2026؟ هل نحن أمام إعادة ترتيب حقيقية للخريطة السياسية، أم أننا بصدد دورة انتخابية جديدة تعيد إنتاج نفس التوازنات التي أفرزتها انتخابات 2021؟ وهل ما زالت الأحزاب قادرة على لعب دورها التاريخي في التأطير السياسي وصناعة النخب، أم أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية بدأت تسحب منها هذا الدور لصالح فضاءات أخرى؟

هذا الملف يحاول الغوص في عمق المشهد الحزبي المغربي، من خلال قراءة السياقات الماضية والحاضرة، واستشراف ما قد تحمله المرحلة المقبلة من مفاجآت سياسية قد تعيد رسم الخريطة الحزبية بالكامل.

من زلزال 2021 إلى رهانات 2026

شكلت انتخابات 2021 نقطة تحول كبرى في المشهد السياسي المغربي، حيث شهدت تلك الاستحقاقات ما وصفه العديد من المراقبين بزلزال سياسي حقيقي أعاد ترتيب موازين القوى داخل البرلمان. فقد صعد بقوة حزب التجمع الوطني للأحرار ، متصدراً نتائج الانتخابات ومشكلاً حكومة ثلاثية ضمت أيضاً الأصالة والمعاصرة و**حزب الاستقلال**.

ذلك التحالف الحكومي جاء على أنقاض تجربة سياسية طويلة قادها حزب العدالة والتنمية الذي حكم المغرب لعقد كامل قبل أن يتلقى هزيمة انتخابية قاسية أفقدته معظم مقاعده البرلمانية، في واحدة من أكبر الانتكاسات السياسية في تاريخ الحزب.

في تلك اللحظة، بدا وكأن المغرب يدخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها “الدولة الاجتماعية” التي رفعتها الحكومة الجديدة كشعار مركزي لبرنامجها. غير أن الطريق لم يكن سهلاً، فقد واجهت الحكومة منذ بداياتها تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة، من بينها تداعيات التضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، إضافة إلى مطالب اجتماعية متزايدة تتعلق بالشغل وتحسين القدرة الشرائية وتطوير الخدمات العمومية في قطاعي الصحة و التعليم.

ومع مرور السنوات، أصبح السؤال الذي يطرحه المواطن المغربي بسيطاً لكنه حاسم: هل تحققت الوعود التي رفعتها الأحزاب خلال انتخابات 2021؟

أحزاب الأغلبية… بين الدفاع عن الحصيلة والخوف من الحساب

تقف أحزاب الأغلبية اليوم أمام امتحان سياسي صعب، لأن الانتخابات المقبلة لن تكون مجرد مواجهة بين برامج انتخابية، بل ستكون في المقام الأول محاكمة سياسية للحصيلة الحكومية. فحزب التجمع الوطني للأحرار الذي قاد الحملة الانتخابية السابقة بشعارات ميدانية أصبح مطالباً اليوم بتقديم إجابات دقيقة حول ما تحقق فعلاً من البرامج التي وعد بها المغاربة، خصوصاً ما يتعلق بتوفير فرص الشغل وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين.

أما الأصالة والمعاصرة، الذي دخل الحكومة باعتباره قوة سياسية صاعدة تسعى إلى لعب دور إصلاحي داخل المؤسسات، فيحاول اليوم إظهار نفسه كفاعل مؤثر في السياسات العمومية، غير أن بعض المراقبين يرون أن الحزب لم ينجح بعد في بناء خطاب سياسي واضح يميز حضوره داخل التحالف الحكومي.

في المقابل، يسعى حزب الاستقلال إلى تقديم نفسه كصوت اجتماعي داخل الحكومة، خصوصاً عبر خطاب يركز على العدالة الاجتماعية وحماية الطبقات المتوسطة والفقيرة، مستفيداً من رصيده التاريخي كأحد أقدم الأحزاب في المغرب.

غير أن الواقع السياسي يفرض معادلة واضحة: الحصيلة الحكومية مسؤولية جماعية، ولن يكون من السهل على أي حزب داخل الأغلبية التنصل منها عندما تبدأ المعركة الانتخابية بشكل رسمي.

المعارضة… محاولة العودة من الباب الضيق

في الجهة المقابلة، تتحرك أحزاب المعارضة لإعادة بناء مواقعها السياسية، مستفيدة من بعض نقاط الضعف التي تواجه الحكومة. ويأتي في مقدمة هذه الأحزاب حزب العدالة والتنمية الذي يحاول استعادة جزء من حضوره السياسي بعد الهزيمة الثقيلة التي تعرض لها في انتخابات 2021. الحزب يقود اليوم خطاباً نقدياً قوياً تجاه السياسات الحكومية، خصوصاً فيما يتعلق بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

إلى جانب ذلك، يحاول  حزب الحركة الشعبية استعادة جزء من بريقه التاريخي عبر خطاب يركز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية و العالم القروي،بعد أن قاد أمينه العام نضالات داخل البرلمان و كشف عن عيوب الحكومة و اتي باتت تلاحقها ملفات “الفراقشية” فكل القطاعات من اللحوم المستوردة و القطيع و الإعلام .

كما يواصل حزب التقدم والاشتراكية لعب دور المعارضة النقدية التي تركز على الاختلالات الاجتماعية، بينما يحاول الإتحاد الإشتراكي إسترجاع حضوره و الذي يبدو صعبا بعد أن دخل الحزب في توريث القيادة.

غير أن المشكلة الكبرى التي تواجه المعارضة المغربية هي غياب جبهة سياسية موحدة قادرة على تشكيل بديل حكومي واضح، إذ إن تعدد الأصوات وتباين الخطابات يجعل من الصعب بناء تحالف سياسي قوي قادر على منافسة الأغلبية الحالية.

رمضان… موسم السياسة غير المعلن

مع اقتراب الانتخابات، ارتفعت بشكل ملحوظ وتيرة الأنشطة الحزبية خلال شهر رمضان، حيث تحولت اللقاءات الرمضانية إلى فضاءات سياسية بامتياز تجمع القيادات الحزبية والمنتخبين والفاعلين المحليين. هذه اللقاءات لم تعد مجرد مناسبات اجتماعية أو دينية، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية تعبئة انتخابية مبكرة تهدف إلى إعادة تنشيط القواعد الحزبية واستعادة الاتصال بالناخبين.

غير أن هذه الحركية تعيد أيضاً إلى الواجهة بعض الممارسات المثيرة للجدل التي عرفتها الحياة السياسية في مراحل سابقة، مثل استغلال الأنشطة الاجتماعية في الحملات الانتخابية غير المعلنة أو محاولة استمالة الناخبين عبر مبادرات ذات طابع خيري أو اجتماعي.

هذه الظواهر تعكس جانباً من التعقيدات التي تطبع المشهد الانتخابي المغربي، حيث تختلط أحياناً الحدود بين العمل السياسي المشروع والممارسات التي تثير نقاشاً واسعاً حول أخلاقيات المنافسة الانتخابية.

أزمة التأطير الحزبي… السياسة تفقد عمقها

بعيداً عن الصراع الانتخابي، تواجه الأحزاب المغربية تحدياً أكبر يتمثل في تراجع دورها التأطيري داخل المجتمع. فقد كانت الأحزاب في الماضي مدارس حقيقية للنقاش السياسي وصناعة القيادات، لكنها اليوم تعاني من ضعف الانخراطات الحزبية وتراجع المشاركة في الأنشطة التنظيمية.

ويرى العديد من المراقبين أن هذه الأزمة تعود إلى عدة عوامل، من بينها هيمنة نفس القيادات على الأحزاب لفترات طويلة، وضعف الديمقراطية الداخلية، وتراجع العمل الميداني داخل الأحياء والقرى، إضافة إلى التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، حيث أصبح الشباب يعبر عن مواقفه السياسية عبر وسائل جديدة مثل منصات التواصل الاجتماعي.

هذه التحولات جعلت السياسة تتحرك خارج الإطار الحزبي التقليدي، وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام الأحزاب التي أصبحت مطالبة بإعادة التفكير في طرق عملها وأساليب تواصلها مع المجتمع.

انتخابات 2026… مفاجآت في الأفق

كل المؤشرات الحالية توحي بأن الانتخابات المقبلة قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، لأن المشهد السياسي المغربي يعرف تحولات عميقة على عدة مستويات. فهناك تغير في المزاج الانتخابي، وبروز قيادات شبابية و نخب محلية جديدة، وتزايد تأثير الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام.

كما أن بعض المراقبين لا يستبعدون إمكانية إعادة تشكيل التحالفات السياسية بعد الانتخابات، إذ إن الحسابات السياسية قد تدفع بعض الأحزاب إلى مراجعة مواقفها وبناء تحالفات جديدة تختلف عن تلك التي أفرزتها انتخابات 2021.

في هذا السياق، تبدو المعركة الانتخابية المقبلة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، لأنها لن تكون مجرد تنافس على المقاعد البرلمانية، بل ستكون معركة حول مستقبل الحياة السياسية في المغرب.

هل تستعيد الأحزاب روح السياسة؟

في النهاية، تقف الأحزاب المغربية اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة. فإما أن تنجح في استعادة دورها التأطيري عبر تجديد خطابها السياسي وفتح المجال أمام نخب جديدة قادرة على التفاعل مع تحولات المجتمع، وإما أن تستمر في نفس الممارسات التي ساهمت في تعميق أزمة الثقة بين السياسة والمواطنين.

ومع اقتراب موعد 23 شتنبر 2026، سيجد المغاربة أنفسهم مرة أخرى أمام صناديق الاقتراع، لكن السؤال الذي سيحكم تلك اللحظة لن يكون فقط من سيحصل على أكبر عدد من المقاعد داخل البرلمان، بل سيكون سؤالاً أعمق يتعلق بمستقبل العمل الحزبي نفسه:

هل ستنجح الأحزاب المغربية في إقناع المواطنين بأنها ما زالت قادرة على قيادة التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد، أم أن السياسة في المغرب دخلت فعلاً مرحلة جديدة تبحث فيها عن أدوات أخرى للتأطير والتمثيل؟

الأشهر المقبلة وحدها ستكشف الجواب، لكن المؤكد أن انتخابات 2026 لن تكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل قد تشكل لحظة فاصلة في تاريخ الحياة الحزبية المغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى