مجلس جهة فاس-مكناس.. تنمية “على مقاس” القلاع الانتخابية: هل أصبح الرئيس يهتم بمكناس فقط؟

بينما كانت ساكنة الأقاليم المنسية في جغرافيا جهة فاس-مكناس تنتظر “طوق نجاة” لفك عزلتها القاتلة، خرج مجلس الجهة الذي يرأسه عبد الواحد الأنصاري ليزفّ “بشرى” جديدة، لم تكن سوى ضخّ اعتمادات مالية إضافية لتهيئة شوارع في قلب مدينة مكناس. وتحت مسميات “تعزيز الجاذبية” و”تأهيل البنية التحتية”، يبدو أن المجلس قد حسم خياره النهائي: “مكناس أولاً.. والبقية فليغرقوا في أوحال التهميش”.
سياسة “تعبيد الطريق” نحو الصناديق
المصادقة الأخيرة على إضافة اعتمادات للشطر الثاني من مشروع تهيئة شارعي السعديين وطارق بن زياد (شارع بوكرعة)، ليست مجرد تفاصيل تقنية في ميزانية ضخمة، بل هي تجسيد صارخ لسياسة “الريع المجالي”. ففي الوقت الذي “ينعم” فيه الشارع المكناسي بلمسات التجميل والإنارة والتزفيت المتكرر، تقبع دواوير وأقاليم بأكملها في “عصر ما قبل الطريق”؛ حيث تتحول المسالك القروية في تازة، تاونات، بولمان، وموري يعقوب إلى مستنقعات طينية مع أول قطرة غيث، مما يعزل تجمعات سكانية بأكملها عن أبسط الخدمات الصحية والتعليمية.
إن تركيز الاستثمارات الجهوية في “القلاع الانتخابية” ، يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية حول عدالة التوزيع المجالي. فهل وظيفة “رئيس الجهة” هي ترضية القواعد الانتخابية الضيقة وتحصين المقاعد البرلمانية المستقبلية، أم السهر على توازن جهوي ينصف “المغرب المنسي” الذي يساهم في ميزانية الجهة دون أن يرى منها إلا “الغبار”؟
مكناس: “ثقب أسود” يبتلع مشاريع الوكالة
لا يقف الانحياز عند حدود تزفيت الشوارع، بل يمتد إلى “البنية التدبيرية” للجهة. فمكناس اليوم لم تعد مجرد قطب حضري، بل تحولت إلى “صمام أمان” لمشاريع وكالة تنفيذ المشاريع (AREP)، التي يبدو أنها وُجدت لخدمة أجندة العاصمة الإسماعيلية دون غيرها. والمثير للاستغراب، الذي يصل حد الاستفزاز، هو إصرار رئاسة الجهة على جعل مقر هذه الوكالة في مكناس، ضاربةً عرض الحائط بمبدأ “المركزية الجهوية” المفترضة في مدينة فاس، أو حتى فكرة “توطين” مثل هذه المؤسسات في الأقاليم الأكثر خصاصاً لتحريك عجلة التنمية هناك.
إن وجود مقر الوكالة في مكناس وتوجيه بوصلة صفقاتها نحو شوارعها الفسيحة، يكرس صورة ذهنية لدى المواطن في أقاليم الجهة التسعة بأن “المواطنة الجهوية” درجات؛ فمن يسكن “القلاع المحصنة” ينال التهيئة والجمالية، ومن يسكن “الهوامش” لا ينال سوى وعود التسويف وتقارير “قيد الدراسة”.
أين العدالة المجالية يا رئيس “الجهة”؟
إن شعارات “الارتقاء بجمالية الفضاء الحضري” التي يسوقها مجلس الأنصاري، تبدو “ترفاً” مستفزاً في أعين ساكنة تفتقد لمسالك قروية تربطها بالعالم الخارجي. فبأي وجه يقابل المجلس ساكنة الجبال والسهول المهمشة وهو يضخ الملايين تلو الملايين في “شطر ثانٍ” و”اعتمادات إضافية” لمشاريع حضرية كان الأجدر أن تتكلف بها الجماعات الترابية، لا أن تستنزف ميزانية الجهة المخصصة أصلاً لتقليص الفوارق المجالية؟
إن ما يحدث في مجلس جهة فاس-مكناس هو “ردة تنموية” تعيدنا إلى زمن “المغرب النافع” و”المغرب غير النافع” أو كما قال جلالة الملك “مغرب السرعتين” داخل الجهة الواحدة. إن سياسة “تجميل الواجهات” في مكناس على حساب “الضروريات” في أقاليم مهمشة، هي طعنة في ظهر مشروع الجهوية المتقدمة، وتحويل لمؤسسة دستورية إلى “ملحقة انتخابية” تخدم الطموحات الشخصية على حساب المصلحة العامة.
إن التاريخ لن يذكر أنكم “زيّنتم” شارع بوكرعة، بل سيذكر أنكم تركتم أقاليم بأكملها تغرق في عزلتها، وفضلتم “إرضاء الناخب” في مكناس على “إنصاف المواطن” في الجهة.






