المغرب يعزز حضوره الأمني في الملف الليبي.. محمد ياسين المنصوري يقود تنسيقا استخباراتيا رفيع المستوى من بنغازي

في خطوة تعكس استمرار الحضور المغربي في الملفات الأمنية الإقليمية، احتضنت مدينة بنغازي الليبية، الخميس 22 أكتوبر الجاري، اجتماعا رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، بمشاركة مسؤولين أمنيين واستخباراتيين من عدة دول، وبرئاسة مشتركة للمدير العام للإدارة العامة للدراسات والتوثيق، محمد ياسين المنصوري، ورئيس جهاز المخابرات الليبية، الفريق أول حسين العائب، في لقاء وضع تحديات الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود في صلب المشاورات.
وجرى تنظيم هذا الاجتماع بشراكة بين جهاز المخابرات الليبي والإدارة العامة للدراسات والتوثيق المغربية، وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ممثلا في مكتب برنامجه بالرباط، تحت شعار «معالجة التقارب بين الإرهاب والجريمة المنظمة في أفريقيا». ووفق معطيات أوردتها وسائل إعلام ليبية، عرف اللقاء مشاركة 43 وفدا أمنيا واستخباراتيا، من بينها أكثر من 20 رئيس جهاز مخابرات، بما يعكس مستوى التمثيلية التي حظي بها هذا الموعد الأمني.
وتصدر التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات والخبرات جدول الأعمال، في سياق تتزايد فيه المخاوف من تداخل أنشطة الجماعات الإرهابية مع شبكات الجريمة المنظمة، خصوصا في البيئات التي تعرف هشاشة أمنية أو صعوبات في ضبط الحدود ومراقبة التحركات غير المشروعة. ويكتسي هذا التقاطع أهمية خاصة في القارة الأفريقية، حيث تفرض التهديدات العابرة للحدود تطوير آليات تعاون تتجاوز المقاربات الوطنية المنفردة، وتتيح رصد المخاطر والاستجابة لها بصورة أكثر تنسيقا.
وحضر الاجتماع الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، الذي شدد، في تدوينة نشرها بالمناسبة، على أن مواجهة التداخل المتنامي بين الإرهاب والجريمة المنظمة تتطلب رؤية أمنية متكاملة، تقوم على التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات واستباق التهديدات قبل وقوعها. كما أكد دعم جهاز المخابرات الليبية وتطوير قدراته وتأهيل أطره وتعزيز شراكاته الإقليمية والدولية، معتبرا أن العمل الاستخباراتي يشكل إحدى ركائز حماية الأمن الوطني وصون سيادة الدولة.
وثمن المسؤول الليبي التعاون القائم بين المغرب وليبيا في تنظيم هذا الاجتماع، إلى جانب المشاركة الأممية وحضور القيادات الأمنية والاستخباراتية والوفود الدولية، في إشارة إلى أهمية توسيع قنوات التواصل بين الأجهزة المختصة في مواجهة التحديات المشتركة.
ويأتي انعقاد هذا الموعد بعد أيام قليلة من زيارة عمل قام بها خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، إلى المغرب، خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 15 أكتوبر الجاري، على رأس وفد عسكري، في إطار زيارة جرت بتعليمات ملكية. واستقبل الوفد من طرف اللواء الركن مراد المنير، نائب المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، كما أجرى خالد حفتر مباحثات مع الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية بالرباط.
وشمل برنامج الزيارة الاطلاع على جوانب من منظومة التكوين والتدريب العسكري بالمغرب، من خلال زيارة مقر اللواء الأول للمشاة المظليين، ومتابعة عروض مرتبطة بالإسقاط الجوي التكتيكي للمعدات والآليات، والاطلاع على أجهزة محاكاة تعتمد تقنيات الواقع الافتراضي، فضلا عن زيارة القاعدة الجوية بمراكش يوم 15 أكتوبر، للتعرف على وسائل تدريب الطيارين وآليات تأهيلهم.
وتمنح هذه التحركات المتقاربة بعدا إضافيا للعلاقات المغربية الليبية، التي لم تنحصر خلال السنوات الماضية في التواصل السياسي والدبلوماسي، بل شملت أيضا مسارات للتعاون الأمني والعسكري، بالتوازي مع مساعي الرباط للمساهمة في تيسير الحوار بين الأطراف الليبية ودعم الجهود الرامية إلى تجاوز الانقسام المؤسساتي.
فمنذ سنة 2015، اضطلع المغرب بدور في احتضان جولات الحوار السياسي الليبي بمدينة الصخيرات، التي توجت بتوقيع الاتفاق السياسي في 17 دجنبر من السنة نفسها، واضعة إطارا لتشكيل حكومة الوفاق الوطني وترتيب المؤسسات خلال المرحلة الانتقالية. واستمر هذا الانخراط عبر محطات أخرى، من بينها اللقاءات التي احتضنتها بوزنيقة وطنجة خلال سنة 2020، ثم اجتماعات اللجنة الليبية المشتركة المعروفة بلجنة «6+6» في بوزنيقة سنة 2023، التي انصبت على إعداد القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية.
كما استضافت بوزنيقة، يومي 18 و19 دجنبر 2024، لقاء تشاوريا بين ممثلين عن مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، في إطار الجهود الرامية إلى تقريب وجهات النظر بشأن مستقبل المؤسسات الليبية وإنهاء المرحلة الانتقالية. وقد ارتبطت هذه المبادرات بتأكيد المغرب أهمية الحوار بين الليبيين أنفسهم، ودعم المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، مع الحرص على التواصل مع المؤسسات والأطراف المعنية.
ولا يعني انعقاد الاجتماع الأمني في بنغازي، في حد ذاته، أن الخلافات السياسية والمؤسساتية في ليبيا قد وجدت طريقها إلى الحل، كما لا تكفي اللقاءات الأمنية وحدها لضمان استقرار مستدام. غير أنها توفر قناة عملية لمعالجة التهديدات المشتركة، في وقت تظل فيه فعالية التنسيق بين الأجهزة المختصة مرتبطة بقدرتها على تبادل المعلومات بصورة موثوقة، واحترام سيادة الدول، وتحويل التفاهمات إلى آليات تعاون قابلة للتنفيذ.
وبين المسار الدبلوماسي الذي احتضنت الرباط من خلاله محطات للحوار الليبي، والتحرك الأمني الذي جمع مسؤولين مغاربة وليبيين ودوليين في بنغازي، يواصل المغرب توسيع انخراطه في قضايا الاستقرار الإقليمي. وتبقى القيمة الفعلية لهذه المبادرات رهينة بما ستفضي إليه من تعاون ملموس في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وبما يمكن أن تسهم به في تهيئة بيئة أكثر أمنا تساعد الليبيين على تجاوز الانقسام وبناء مؤسسات مستقرة.






