سياسة

عشية إفتتاح البرلمان: بين إحتجاجات جيل Z و صيحات المحاسبة… هل يكسر خطاب الملك “صمت العجز”؟

تستعد القاعة التشريعية بالرباط يوم الغد الجمعة الثانية من أكتوبر وفق دستور المملكة، لاستقبال جلالة الملك محمد السادس لافتتاح الدورة البرلمانية الأخيرة للولاية التشريعية (2021-2026)، لكن المشهد السياسي والاجتماعي المحيط بهذا الحدث الدستوري يكتسي طابعًا غير اعتيادي، إذ يغلي تحت وطأة تلاقي تيارين متوازيين يهددان استقرار المشهد التقليدي: محاسبة قضائية أسقطت عشرات النخب، واحتجاجات شبابية عفوية قادها جيل “زد” للمطالبة برحيل الحكومة ومحاسبة الفاسدين.

لم يعد افتتاح البرلمان مجرد طقس سنوي بروتوكولي، بل تحول إلى محطة تشخيصية حاسمة لفشل النخب السياسية في ترجمة التوجيهات الملكية السامية إلى واقع ملموس، وهو ما يضع الحكومة والبرلمانيين أمام امتحان أخلاقي وسياسي لا يحتمل التهاون.

الملكية: صمام أمان للمحاسبة والنزاهة

منذ توليه العرش، جعل الملك محمد السادس تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة ركائز أساسية لبناء دولة المؤسسات. وكانت الخطب الملكية المتتالية بمثابة “الميثاق الأخلاقي” الذي كان على الأحزاب والبرلمانيين الالتزام به، وتجنب التوافقات الفئوية على حساب مصلحة الوطن والمواطنين.

لكن الواقع على الأرض أظهر حجم الفشل: سقوط أكثر من 33 برلمانيًا في قضايا فساد ونهب المال العام، بعضها مرتبط بجرائم خطيرة مثل الاتجار الدولي في المخدرات، كشف هشاشة منظومة المحاسبة الداخلية للأحزاب وفشلها في ضبط كوادرها. هذا الزلزال القضائي يؤكد أن الإرادة الملكية للمحاسبة تجاوزت حصانة البرلمان المزعومة، ووضعت النخب أمام المقصلة القانونية والأخلاقية معًا.

الحكومة والبرلمان: تراخٍ وعجز أمام غضب الشارع

في الوقت الذي كانت فيه السلطة القضائية تفرض قواعد اللعبة، ظهرت الحكومة والبرلمان عاجزين عن الاستجابة لتوجيهات الملك، أو حتى لاحتياجات المواطنين الأساسية. إذ لم تستطع السياسات الحكومية المتبعة منذ سنوات معالجة ملفات الصحة، التعليم، التشغيل، أو حماية القدرة الشرائية، ما أدى إلى تفجير احتجاجات شبابية غير مسبوقة قادها جيل “زد”.

مطالب الشباب ليست مجرد صرخات احتجاجية، بل مؤشر واضح على فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وواقع المواطن، وعلى أن الاستثمارات والبرامج الكبرى لم تصل بعد إلى الخدمات الأساسية. ما يزيد المشهد تأزمًا أن تراخي المسؤولين الترابيين والسياسيين جعل من بعض المدن مسرحًا للاحتقان الاجتماعي، وهو ما انعكس في تحركات شعبية عفوية وغير مسبوقة.

تلاقي المحاسبة القضائية وغضب الشباب: أزمة مركبة

ما يجعل افتتاح هذه الدورة استثنائيًا هو تلاقي تيار المحاسبة القضائية مع تيار الاحتجاج الاجتماعي. البرلمانيون الفاسدون الذين سقطوا بتهم الرشوة والاختلاس يواجهون غضبًا شعبيًا متناميًا، بينما يصر جيل “زد” على المطالبة بإسقاط حكومة تراكمت عليها ملفات الفشل وتورطت في سياسات ريعية أضرت بالمواطن.

هذا التلاقي يعكس أن الفساد المستشري والعجز الإداري هما العقبة الكبرى أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، وأن الوقت قد حان لتطبيق التوجيهات الملكية على أرض الواقع، بعيدًا عن المراوغات السياسية والتسويف التقليدي.

خطاب الملك: لحظة حسم وإعادة الاعتبار للمؤسسات

ينتظر أن يكون خطاب الملك يوم الغد نقطة تحول، تؤكد على أن الجدية والالتزام الأخلاقي هما العملة الوحيدة المقبولة في المشهد السياسي. فالمؤسسات والمواطنون يراقبون أداء الحكومة والبرلمان، وقد أصبح واضحًا أن التراخي أو المهادنة السياسية لم تعد مقبولة.

في هذا السياق، ستعيد الخطابات الملكية التأكيد على أن الإصلاح الحقيقي يتطلب التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا صارمًا، وتحويل التوجيهات إلى سياسات ملموسة، تضمن حماية المواطنين من فساد النخب وتحافظ على استقرار الدولة. هذه الدورة التشريعية الأخيرة و إن إكتملت هي فرصة الحكومة والبرلمان لإثبات قدرتهم على تحمل المسؤولية، وإلا فإن التاريخ والسياسة سيكتبانه كأعوام فقدان البوصلة الوطنية ونكوص المؤسسات.

المشهد السياسي في المغرب وصل إلى لحظة فارقة: الملك محمد السادس يبقى الضامن الوحيد لنزاهة المؤسسات، بينما الحكومة والبرلمانيون يجدون أنفسهم محاصرين بين مطرقة المحاسبة القضائية وسندان غضب الشارع. وتحويل التوجيهات الملكية إلى سياسات عملية أصبح شرطًا وحيدًا لإعادة الثقة، وضمان أن يكون النموذج التنموي الجديد بعيدًا عن الفساد والعجز السياسي، ومعتمدًا على الكفاءة والجدية، وليس على المناورات أو الممارسات الريعية التقليدية التي ساهمت في الإحتقان الإجتماعي الذي قد يهدد الوضع الحالي بالإنفجار .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى