اقتصاد

البنك الإفريقي للتنمية: الاقتصاد المغربي يواصل الصمود رغم تحديات الجفاف والطاقة.. لكن البطالة تظل الجرح المفتوح

في وقت تواجه فيه اقتصادات عديدة حول العالم تداعيات الأزمات الجيوسياسية والتقلبات المناخية وارتفاع تكاليف الطاقة، يواصل الاقتصاد المغربي إثبات قدرته على الصمود والمحافظة على وتيرة نمو إيجابية، مدعوماً بدينامية الاستثمار العمومي، وتوسع البنيات التحتية، والانتعاش المتواصل لقطاعات السياحة والصناعة والخدمات.

هذا ما أكده التقرير الأخير الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية ضمن وثيقة “الآفاق الاقتصادية لإفريقيا 2026″، والذي رسم صورة متوازنة للاقتصاد الوطني، تجمع بين مؤشرات إيجابية تعكس متانة النموذج الاقتصادي المغربي، وبين تحديات حقيقية ما تزال تفرض نفسها على صناع القرار خلال السنوات المقبلة.

المغرب ضمن الاقتصادات الأكثر دينامية في المنطقة

بحسب التقرير، ينتظر أن يسجل المغرب معدل نمو يبلغ 4.2 في المائة خلال سنة 2026، بعد أن بلغ 4.7 في المائة سنة 2025 و3.8 في المائة خلال سنة 2024.

ورغم أن الأرقام تشير إلى تباطؤ طفيف مقارنة بالسنة الماضية، فإن البنك الإفريقي للتنمية يعتبر هذا التطور جزءاً من عودة الاقتصاد المغربي إلى وتيرة نمو أكثر استقراراً وتوازناً، وليس مؤشراً على تراجع اقتصادي أو فقدان للدينامية.

ويعكس هذا الأداء استمرار الثقة في الاقتصاد الوطني وقدرته على جذب الاستثمارات ومواصلة المشاريع الكبرى التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات البنيات التحتية والصناعة والطاقات المتجددة واللوجستيك.

الاستثمار العمومي يقود قاطرة النمو

ويبرز التقرير أن أحد أبرز عناصر قوة الاقتصاد المغربي يتمثل في حجم الاستثمارات العمومية التي تشهدها المملكة في مختلف القطاعات.

فالمغرب يواصل تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى تشمل الطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ والمناطق الصناعية ومنشآت تحلية مياه البحر والطاقات النظيفة، وهي مشاريع تساهم بشكل مباشر في تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص الشغل وتحسين تنافسية المملكة.

كما يواصل قطاع السياحة تسجيل نتائج قوية بفضل استعادة الوجهة المغربية لجاذبيتها الدولية، في وقت أصبحت فيه المملكة واحدة من أبرز الوجهات السياحية بالقارة الإفريقية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.

إلى جانب ذلك، تواصل الصناعات المغربية، وخاصة قطاع السيارات والطيران والفوسفاط والصناعات الغذائية، تعزيز حضورها داخل الأسواق العالمية، ما يمنح الاقتصاد الوطني مصادر متنوعة للنمو ويقلل من تبعيته للقطاع الفلاحي وحده.

الجفاف.. التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المغربي

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد التقرير أن التغيرات المناخية أصبحت تشكل أكبر تهديد للاقتصاد الوطني.

فالقطاع الفلاحي، الذي يشغل ملايين المغاربة بشكل مباشر وغير مباشر، ما يزال رهيناً بالتساقطات المطرية والموارد المائية، الأمر الذي يجعل سنوات الجفاف المتتالية تؤثر على الإنتاج الزراعي والدخل القروي والقدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين.

وأمام هذا الواقع، باتت مشاريع تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية وتحديث أنظمة الري أكثر من مجرد مشاريع تنموية، بل تحولت إلى أوراش استراتيجية مرتبطة بالأمن المائي والغذائي للمملكة.

ويرى خبراء أن المغرب دخل بالفعل مرحلة جديدة عنوانها “اقتصاد الندرة المائية”، حيث أصبحت كل السياسات التنموية مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الدولة على تدبير مواردها المائية وضمان استدامتها.

فواتير الطاقة والتوترات الدولية تفرض ضغوطاً إضافية

كما حذر التقرير من انعكاسات التوترات الجيوسياسية المتواصلة في عدد من مناطق العالم، خاصة الشرق الأوسط، على أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية.

وباعتبار المغرب بلداً مستورداً لمعظم حاجياته الطاقية، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية ينعكس بشكل مباشر على الميزان التجاري وعلى كلفة الإنتاج والنقل والاستهلاك.

ويتوقع التقرير أن يؤدي ذلك إلى اتساع عجز الحساب الجاري خلال سنة 2026، وهو ما يفرض على المملكة تسريع وتيرة الانتقال الطاقي وتقليص التبعية للخارج من خلال الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.

التضخم تحت السيطرة.. والمؤشرات المالية مطمئنة

ومن بين النقاط التي توقف عندها البنك الإفريقي للتنمية، نجاح المغرب في الحفاظ على استقرار نسبي للمؤشرات المالية والاقتصادية الكبرى.

فالتضخم، الذي شكل هاجساً عالمياً خلال السنوات الأخيرة، ينتظر أن يبقى في مستويات معتدلة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الصاعدة.

كما يواصل الدين العمومي منحاه التنازلي، بينما تظل احتياطات العملة الصعبة في مستويات مريحة تسمح للمملكة بمواجهة التقلبات الخارجية وتأمين حاجياتها من الواردات.

وتؤكد هذه المؤشرات أن المغرب نجح إلى حد بعيد في الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية رغم الصدمات المتتالية التي عرفها الاقتصاد العالمي منذ جائحة كورونا.

البطالة.. التحدي الاجتماعي الأكبر

ورغم المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، يبقى ملف التشغيل أكبر تحدٍ يواجه الاقتصاد المغربي خلال المرحلة المقبلة.

فالتقرير سجل استمرار معدلات بطالة مرتفعة وسط الشباب وحاملي الشهادات والنساء، وهي أرقام تكشف وجود فجوة بين النمو الاقتصادي وقدرته على خلق فرص الشغل الكافية.

ويعتبر مختصون أن التحدي الحقيقي لم يعد فقط تحقيق نسب نمو مرتفعة، بل ضمان انعكاس هذا النمو بشكل مباشر على تحسين أوضاع المواطنين وخلق فرص عمل مستدامة للشباب، خاصة في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة.

نحو اقتصاد أكثر صلابة واستدامة

وفي ختام تقييمه، يؤكد البنك الإفريقي للتنمية أن المغرب يمتلك كل المقومات التي تؤهله لمواصلة مساره التنموي خلال السنوات المقبلة، بفضل الاستقرار المؤسساتي، وتطور البنيات التحتية، ونجاحه في جذب الاستثمارات الكبرى.

غير أن المحافظة على هذه الدينامية تظل رهينة بقدرة المملكة على مواجهة تحديات الماء والطاقة والتشغيل، وتسريع الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية.

وبين مؤشرات النمو الواعدة وإكراهات الواقع الاجتماعي، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية؛ مرحلة تتطلب تحويل النجاحات الاقتصادية الكبرى إلى مكاسب ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، لأن قوة الاقتصاد لا تقاس فقط بالأرقام والتقارير الدولية، بل بقدرته على خلق الثروة وتحسين مستوى العيش وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى