سياسة

جهة فاس مكناس أمام اختبار التنمية المندمجة.. حان وقت الانتقال الفعلي إلى شركة تنفيذ المشاريع ومحاسبة البرامج التي لا تصل إلى العالم القروي

لم يعد مقبولا أن يستمر النقاش حول المشاريع التنموية بجهة فاس مكناس في حدود الأرقام الإجمالية والاعتمادات المرصودة ونسب التقدم المالي، بينما يظل السؤال الجوهري مطروحا بشأن ما تحقق فعليا في حياة المواطنين، خصوصا في الدواوير والمناطق القروية التي ما زالت تنتظر طرقا صالحة، وماء للشرب، وخدمات أساسية، وبنيات قادرة على إنهاء العزلة التي تطبع يوميات عدد من الأسر. فبعد سنوات من تجربة الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، وبعد إقرار إصلاح قانوني يروم تحويلها إلى شركة جهوية لتنفيذ المشاريع، حان وقت الانتقال من مرحلة التشخيص والوعود إلى مرحلة التنفيذ الفعلي وربط المسؤولية بالنتائج.

وتكشف المعطيات المعروضة خلال اجتماع لجنة الإشراف والمراقبة التابعة للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة فاس مكناس أن المؤسسة تشرف على مشاريع تبلغ كلفتها الإجمالية حوالي 2.75 مليار درهم، ضمن برامج التنمية الجهوية للفترتين 2020-2022 و2022-2027. كما أُسند إليها، خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، تنفيذ 126 مشروعا بكلفة تناهز 819.43 مليون درهم، مع تسجيل تقدم مالي بلغ 88 في المائة وفق المعطيات المعلنة في أكتوبر 2026.

لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن الأسئلة التي تطرحها الساكنة والمنتخبون والفاعلون المحليون: كم مشروعا دخل فعليا حيز الاستغلال؟ وكم مشروعا ما زال متعثرا أو ينتظر استكمال الأشغال؟ وما التوزيع الحقيقي لهذه الاستثمارات بين فاس ومكناس وباقي أقاليم الجهة؟ وكم من هذه الاعتمادات تحول إلى طرق ومرافق ومشاريع يستفيد منها سكان الدواوير والمراكز القروية؟ ثم ما الأثر الملموس الذي تركته هذه البرامج في المناطق التي تعاني خصاصا تاريخيا في التجهيزات الأساسية؟

إن تسجيل تقدم مالي بنسبة 88 في المائة لا يعني بالضرورة أن جميع المشاريع اكتملت أو أن آثارها التنموية تحققت بالدرجة نفسها. فالتقدم المالي مؤشر على مستوى صرف الاعتمادات، بينما يقتضي التقييم الحقيقي معرفة نسب الإنجاز المادي، وتاريخ التسليم، ودخول المنشآت حيز الخدمة، وعدد المستفيدين منها. ومن دون نشر هذه المعطيات بشكل مفصل وموزع حسب الإقليم والجماعة ونوع المشروع، سيظل المواطن أمام أرقام إجمالية يصعب عليه ربطها بالتغيير الذي ينتظره في محيطه.

وتزداد حدة هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بالعالم القروي، حيث لا يكفي إدراج مشاريع لفك العزلة والتزويد بالماء الصالح للشرب والسدود الصغرى والبحيرات التلية ضمن البرامج المعلنة، بل ينبغي التحقق من مدى وصولها إلى المناطق الأكثر حاجة. فالجهة التي تضم تسعة أقاليم وعمالات ذات خصوصيات مختلفة، من فاس ومكناس إلى تاونات وتازة وبولمان وصفرو والحاجب وإفران ومولاي يعقوب، لا يمكن تقييم عدالتها التنموية من خلال مجموع الاستثمارات فقط، وإنما من خلال كيفية توزيعها، ومدى استجابتها للحاجيات الأساسية، وقدرتها على تقليص الفوارق بين المجالات الحضرية والقروية.

وهنا تبرز مسؤولية مجلس جهة فاس مكناس في الانتقال من منطق برمجة المشاريع والمصادقة على الاعتمادات إلى منطق تتبع النتائج والمساءلة. فالملايين التي ترصدها الجهة ينبغي أن تقابلها حصيلة واضحة ومعلنة، تبين المشاريع التي أنجزت، وتلك التي تأخرت، وأسباب التأخر، والجهات التي تتحمل مسؤولية التعثر، والآجال الجديدة المحددة لاستكمال الأوراش. كما يتعين أن تكون الأولويات مرتبطة بحاجيات السكان الفعلية، لا بمجرد سهولة البرمجة أو توفر الوعاء العقاري أو الاعتبارات الإدارية التي قد تجعل بعض المشاريع تتقدم على حساب مناطق أخرى أكثر حاجة.

وفي هذا السياق، يكتسي التحول المؤسساتي من الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى الشركة الجهوية أهمية تتجاوز تغيير الاسم أو الشكل القانوني. فقد صادق المجلس الوزاري، في أبريل 2026، على مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتعديل القانون التنظيمي للجهات، قبل أن يصادق عليه البرلمان، وصدر القانون التنظيمي رقم 031.26 في إطار إصلاح يروم تحديث آليات تنفيذ المشاريع الجهوية وتعزيز النجاعة والمرونة في التدبير. وينص الإصلاح على تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة مع الحفاظ على الطابع العمومي لهذه الآلية، بما يسمح بتطوير أساليب العمل وتسريع تنفيذ المشاريع وتحسين جودة الإنجاز.

ولم يأت هذا التوجه من فراغ؛ فقد أقر وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، خلال مناقشة الإصلاح أمام البرلمان، بأن تجربة وكالات تنفيذ المشاريع لم تحقق الأهداف المنتظرة منها بالشكل المطلوب، مشيرا إلى اختلالات في التدبير ونقص في الكفاءات حدّا من قدرتها على تنفيذ المشاريع بالنجاعة اللازمة. وهو تشخيص رسمي يفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة، لا الاكتفاء بإعادة تنظيم الهياكل مع استمرار الإشكالات نفسها.

ومن ثم، فإن السؤال المطروح اليوم بجهة فاس مكناس ليس ما إذا كان التحول إلى الشركة الجهوية ضروريا من حيث المبدأ، بل متى وكيف سيتم تنزيله عمليا، وما الجدول الزمني لاستكمال الإجراءات التنظيمية والمالية والبشرية، وكيف ستضمن المرحلة الانتقالية استمرار المشاريع الجارية وعدم ضياع الوقت في ترتيبات إدارية جديدة. فالقانون أوجد إطارا للتحول، لكن أثره لن يظهر إلا عندما تتحول الشركة إلى ذراع تنفيذية فعالة، تتوفر على الكفاءات التقنية والهندسية، وتشتغل وفق أهداف قابلة للقياس، وآجال مضبوطة، ومؤشرات واضحة للمردودية.

ويقتضي هذا التحول أيضا ألا تتحول الشركة الجديدة إلى مجرد امتداد إداري للوكالة القديمة. فالتغيير الحقيقي ينبغي أن يشمل طريقة إعداد المشاريع، ودراسة كلفتها قبل برمجتها، وتدقيق جاهزيتها التقنية والعقارية، وتحسين تدبير الصفقات، وتسريع الأداء للمقاولات، وتعزيز مراقبة جودة الأشغال، وإرساء منظومة شفافة لتتبع كل مشروع من مرحلة البرمجة إلى التسليم والاستغلال. كما يتعين تحديد المسؤوليات داخل منظومة التنفيذ حتى لا تضيع المحاسبة بين مجلس الجهة والوكالة أو الشركة مستقبلا، والمقاولات، والمصالح الخارجية، وباقي الشركاء المؤسساتيين.

ولا يمكن فصل هذا الإصلاح عن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة التي أُعلن عنها في إطار التوجهات الوطنية الرامية إلى معالجة التفاوتات المجالية والاجتماعية. فقد جرى التأكيد رسميا على دور هذه البرامج في تحقيق التقائية تدخلات القطاعات الحكومية والجماعات الترابية، وتحديد الأولويات انطلاقا من حاجيات السكان، مع إحداث آليات للتنسيق والتتبع والتقييم. كما نص التصور المعلن على اضطلاع ولاة الجهات بتنسيق تجميع البرامج الترابية المندمجة، في حين تتولى لجنة وطنية برئاسة رئيس الحكومة المصادقة عليها وضمان انسجامها، مع التوجه نحو إحداث منصة رقمية تتيح تتبع البرمجة وتقدم الأشغال وتنفيذ المشاريع.

وبالنسبة إلى جهة فاس مكناس، ينبغي أن يشكل هذا المسار فرصة لإعادة ترتيب الأولويات على أساس الخصاص الفعلي، لا مجرد تجميع المشاريع المبرمجة سابقا تحت عناوين جديدة. فالتنمية المندمجة لا تعني جمع تدخلات متفرقة في وثيقة واحدة، بل تعني تنسيق الطرق والماء والصحة والتعليم والنقل والتشغيل والتجهيزات الأساسية داخل المجال نفسه، بما يضمن أن يفضي كل استثمار إلى تحسين ملموس في ظروف العيش. كما أن نجاح هذه البرامج يتطلب إشراك الجماعات القروية والساكنة في تحديد الحاجيات، ونشر المعايير التي اعتمدت في اختيار المشاريع والمناطق المستفيدة.

أما استمرار الفجوة بين الأرقام المعلنة وما يلمسه المواطن في بعض المناطق، فيستدعي فتح نقاش مؤسساتي صريح حول نجاعة البرمجة وتوزيع الاستثمارات. فلا يمكن الحديث عن العدالة المجالية في غياب معطيات منشورة تتيح مقارنة نصيب كل إقليم وجماعة من المشاريع، أو معرفة ما إذا كانت المناطق الأكثر هشاشة تحظى بالأولوية فعلا. ومن واجب مجلس الجهة والسلطات المعنية تقديم هذه المعطيات، حتى لا يبقى الحديث عن وصول المشاريع إلى العالم القروي رهينا بالانطباعات، سواء كانت متفائلة أو منتقدة.

إن رهان فاس مكناس اليوم هو الانتقال من ثقافة إعلان المشاريع إلى ثقافة قياس أثرها. فكل مشروع مبرمج ينبغي أن يكون له هدف واضح، وموقع محدد، وكلفة معلنة، وأجل للتنفيذ، ومؤشر للاستفادة، ومسؤول عن التتبع. وكل تأخر ينبغي أن تكون له أسباب موثقة وخطة لمعالجته، وكل مشروع مكتمل ينبغي أن تُنشر معطيات دخوله حيز الاستغلال والساكنة التي استفادت منه. بهذه الآليات فقط يمكن تحويل الاعتمادات المالية إلى نتائج قابلة للملاحظة والتقييم.

لقد حان الوقت لتنزيل الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع باعتبارها أداة جديدة لتسريع الإنجاز، والانتقال إلى التطبيق العملي لبرامج التنمية الترابية المندمجة، مع إنهاء المرحلة الانتقالية للوكالة وفق المقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل. لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بتأسيس شركة جديدة أو المصادقة على ميزانية إضافية، بل بقدرتها على تقليص التأخر، وتوزيع المشاريع بعدالة، وتحسين الخدمات الأساسية، وإثبات أن التنمية لا تتوقف عند حدود المدن الكبرى، بل تصل أيضا إلى الدواوير والمناطق القروية التي ظلت لسنوات تنتظر نصيبها من الاستثمار العمومي.

فالمطلوب اليوم ليس مزيدا من الأرقام وحدها، وإنما كشف دقيق لما تحقق وما لم يتحقق، وإصلاح فعلي لآليات التنفيذ، وربط التمويل بالنتائج، حتى لا تظل الجهة حبيسة برمجة المشاريع بينما تستمر بعض مناطقها في مواجهة العزلة والخصاص. وبين الوكالة التي اعترفت الجهات الرسمية بحدود تجربتها، والشركة التي ينتظر منها أداء أكثر نجاعة، تبقى المحك الحقيقي هو قدرة المؤسسات على جعل التنمية المندمجة واقعا يلمسه المواطن، لا عنوانا جديدا في التقارير والبرامج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى