سياسة

السلطات تغير إستراتجيتها في تدبير احتجاجات جيل Z… فيما حكومة أخنوش تحصد غضب الشارع

في سابقة لافتة، اختارت السلطات المغربية، بتعليمات من وزارة الداخلية، نهج سياسة تقوم على الليونة والتعاطي الهادئ مع موجة الاحتجاجات التي دعا إليها شباب جيل Z بمختلف المدن المغربية.

فقد سجلت مساء اليوم الاربعاء، غياب أي منع أو تدخل أمني عنيف، مقابل حضور ميداني مؤطر للقوات العمومية التي اكتفت بضبط إيقاع التظاهرات وحماية الممتلكات العامة والخاصة، في مشهد أبرز أن الدولة تراهن على العقل والحكمة في مواكبة هذه التحركات.

هذا التراجع عن المنع الذي كان سائداً في احتجاجات سابقة، يندرج ضمن استراتيجية محكمة تستهدف احتواء الغضب الشعبي وتفادي أي انزلاقات غير محسوبة، بما يجعل من الخيار الأمني الصارم آخر ورقة، لا أولها. وهو ما يعكس إدراكاً رسمياً بأن الشباب المحتج لا يطالب إلا بما يراه حقوقاً أساسية ومشروعة.

خلال المسيرات التي شهدتها مدن كبرى وصغرى على حد سواء، ارتفعت أصوات الشباب بشعارات قوية، جسدت مطالب واضحة: تجويد الخدمات الصحية والتعليمية، إتاحة فرص العمل، وضمان العيش الكريم.

غير أن الشعارات الأكثر تردداً حملت رسائل سياسية مباشرة، أبرزها المطالبة برحيل الحكومة الحالية ورئيسها عزيز أخنوش، الذي بات في صدارة المشهد بوصفه المسؤول الأول عن السياسات العمومية التي قادت البلاد، حسب رأي المحتجين، إلى هذا الوضع المشحون.

لا تخفي الاحتجاجات الشعبية أن حكومة أخنوش، التي دخلت عامها الرابع، لم تفلح في بناء الثقة مع الشارع، بل زادت منسوب الاحتقان بفعل قرارات ووعود وُصفت بالفضفاضة والبعيدة عن الواقع.

فقطاع الصحة ما يزال غارقاً في الأعطاب البنيوية، والتعليم يعاني من خصاص مزمن في الموارد البشرية وضعف البنية التحتية، بينما فرص الشغل التي بشرت بها الحكومة لم تر النور بالقدر المطلوب.

وبدل أن يكون أخنوش رجل الحلول، تحول في نظر الشباب إلى عنوان للأزمة، إذ يرونه السبب المباشر في اتساع رقعة الغضب واندلاع احتجاجات “ما كانت لتكون لو أن الحكومة أدت واجبها”.

التناقض الأبرز اليوم يتمثل في أن السلطات، ممثلة في وزارة الداخلية وأجهزتها الميدانية، تسعى إلى إطفاء النيران بالحكمة والتدبير العقلاني، فيما تبدو الحكومة، بسياساتها المرتبكة وخطابها المنفصل عن الواقع، كمن يصب الزيت على النار.

هذا التباين يعكس بوضوح أن الشارع المغربي يميز بين مؤسسات الدولة الضامنة للاستقرار، وحكومة أخنوش التي أرهقت جيوب المواطنين وبددت آمالهم، ودفعت الشباب، لأول مرة منذ سنوات، إلى التظاهر بشكل منظم ومتواصل.

تدبير وزارة الداخلية لهذا الحراك الشعبي لا يخرج عن سياق الاستراتيجية الشاملة للدولة، القائمة على إشراك المجتمع، وفتح المجال أمام التعبير السلمي، ومنع أي مواجهة قد تؤدي إلى فقدان السيطرة.

بهذا المعنى، يمكن القول إن السلطات تمكنت من إعادة بناء الثقة في المؤسسات الأمنية، التي ظهرت بوجه متزن، منح الشباب المحتج شعوراً بالأمان والقدرة على إيصال صوته دون خوف.

احتجاجات جيل Z اليوم ليست مجرد غضب عابر، بل جرس إنذار سياسي واجتماعي يضع حكومة أخنوش أمام مسؤوليتها التاريخية. فبينما أثبتت السلطات أن التعامل بالحكمة هو الرهان الرابح، تبقى الحكومة مطالبة بالخروج من خطاب الأرقام والشعارات، والانكباب بجدية على تقديم حلول ملموسة تنقذ البلاد من حالة الاحتقان المستمرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى