سياسة

الداخلية تستنفر الولايات والعمالات لتنزيل المخطط الملكي: تشاورٌ واسع… أم اختبارٌ حقيقي لقدرة الدولة على إنصاف المجال؟

منذ يوم أمس دخلت وزارة الداخلية في سباق مع الزمن، بإطلاق لقاءات تشاورية واسعة في مختلف الولايات والعمالات، هدفها الأوحد تنزيل التوجيهات الملكية الأخيرة بخصوص بلورة جيل جديد من برامج التنمية الترابية. الأمر ليس ترفًا إداريًا ولا مجرد تمرين بيروقراطي، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ترجمة خطاب العرش إلى أوراش ملموسة تعيد الاعتبار للعدالة المجالية، وتُثمن الخصوصيات المحلية لكل جهة.

الاجتماعات جمعت عمال الأقاليم، السلطات المحلية، المصالح الخارجية، النواب البرلمانيين والمنتخبين، إلى جانب فاعلين اقتصاديين وجامعات ومؤسسات عمومية،فيما ظهر جليا تغييب وسائل الإعلام،و هو ما يسقط أن ظاهرها تشاركي، لكن الجوهر يُفترض أن يكون مختلفًا هذه المرة: انضباط صارم، انتقاء دقيق، ومشاريع قابلة للتنفيذ بدل الشعارات الفضفاضة والوعود غير القابلة للقياس.

خطاب العرش الأخير حدد بوصلة واضحة: لم يعد مقبولًا الاستمرار في سياسة المشاريع المبعثرة التي تُهدر الزمن والمال العمومي. المطلوب اليوم هو بناء سلال مشاريع جهوية مهيكلة، مرتبطة بالمؤهلات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة، وتستجيب لحاجيات الناس بشكل مباشر وملموس. السرعة التي أطلقت بها الداخلية هذه المشاورات، بعد أسابيع قليلة من الخطاب، تعكس إرادة مركزية في القطع مع منطق الانتظار.

لكن التحدي الأكبر ليس في الانطلاق، بل في التنفيذ. وهنا تكمن عدة أعطاب:

  • إعادة تدوير نفس المشاريع القديمة بلباس جديد، بلا أثر ولا قيمة مضافة.

  • مشاورات شكلية، تُحوّل اللقاءات إلى مهرجانات خطابية بلا محاضر ملزمة.

  • غياب هيكلة مالية واضحة، فتظل المشاريع رهينة الأوراق.

  • مؤشرات فضفاضة تقاس بالصور والتغطيات الإعلامية لا بالأرقام والنتائج.

  • والأخطر: تسييل الورش لأغراض انتخابية ضيقة.

نجاح هذه الدينامية يمر عبر ثلاثية واضحة:

  1. برنامج زمني صارم: 90 يومًا للانتقاء، 180 يومًا للدراسات والتنزيل الأولي، مع لوحة قيادة شهرية تُنشر للعموم.

  2. بنك مشاريع جهوي جاهز بالتصاميم والتمويلات، يتيح استغلال أي نافذة تمويل بسرعة.

  3. تعاقد مُلزم مع الجهات بمؤشرات كمية (مناصب شغل، مستفيدين، حجم الماء الموفر، كيلومترات الربط…) مع آلية محاسبة عند الفشل أو التأخير.

الداخلية استنفرت، لكن الخصم الحقيقي ليس الزمن ولا قلة الموارد، بل الكسل المؤسسي والعادة القديمة في إنتاج مشاريع بلا أثر. إذا احترمت الدولة حرفية التوجيهات الملكية، فسيكون المغرب أمام منعطف تاريخي في التنمية الترابية. أما إذا عادت اللعبة إلى تدوير الخرائط والوعود، فسنجد أنفسنا بعد عام أمام عروض تقديمية فخمة… ولكن بلا أثر على الأرض.

الرسالة الحادة: لم يعد هناك مجال للمناورة. المطلوب الآن أوراش ميدانية ملموسة، تمويلات واضحة، ومؤشرات مُعلنة. غير ذلك، لن يكون سوى إعادة إنتاج للهشاشة بوجوه وأسماء جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى