سياسة

التجمع الوطني للأحرار يعزز هيمنته في فاس مكناس: قراءة في نتائج الانتخابات الجزئية الجماعية

في اقتراع جزئي حمل معه رياح الاستمرارية، عزز حزب التجمع الوطني للأحرار موقعه المهيمن في جهة فاس مكناس، محققًا فوزًا بأغلبية المقاعد المتنافس عليها في انتخابات 22 أبريل. هذه النتائج، التي جاءت بدعوة من وزارة الداخلية، لم تقتصر على تثبيت قوة “الحمامة”، بل كشفت عن تحولات لافتة في موازين القوى بين مختلف الأحزاب.

من أصل 22 دائرة انتخابية شهدت الاقتراع، تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من حصد 10 مقاعد، أي ما يقارب نصف المقاعد المتنافس عليها. فيما سجل كل من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال حضورًا وازنًا بفوزهما بدائرتين وأربع دوائر على التوالي. أما حزبا الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، فقد اكتفيا بمقعدين لكل منهما.

حافظ حزب “الحمامة” على أغلب مقاعده في أقاليم تاونات، صفرو، مولاي يعقوب، وتازة، مما يعكس عمق جذوره وقاعدته الانتخابية الصلبة. الأكثر دلالة هو تمكن التجمع الوطني للأحرار من اقتناص ثلاث دوائر جديدة، كانت محسوبة سابقًا على أحزاب أخرى. ففي باب مرزوقة (تازة)، انتزع المقعد من حزب الاستقلال (“الكتاب”)، وفي تازوطة (صفرو)، خسر الاتحاد الاشتراكي مقعده لصالح “الحمامة”، بينما شهدت جماعة المنزل (صفرو) “دائرة الموت” منافسة شرسة انتهت بفوز مرشح “التجمع” على مرشح “التراكتور” بفارق ضئيل (137 صوتًا مقابل 130).

شكل إقليم مكناس مفاجأة، حيث سيطر حزب الاستقلال (“الميزان”) على جميع الدوائر الأربع، محتفظًا بمقعدين ومضيفًا مقعدين آخرين على حساب كل من الحركة الشعبية (“السنبلة”) والتجمع الوطني للأحرار (“الحمامة”). تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من تحقيق اختراق في جماعة تازة بفوزه بدائرتين على حساب الحركة الشعبية وحزب الاستقلال. وسجلت الحركة الشعبية فوزًا مهمًا باستعادة مقعد في إفران من التجمع الوطني للأحرار، والفوز بمقعد في ميسور على حساب حزب التقدم والاشتراكية. ونجح حزب التقدم والاشتراكية في الحفاظ على مقعديه في كل من جماعة كلدمان، بإقليم تازة، ومزراوة بإقليم تاونات.

تعكس هذه النتائج مؤشرات واضحة على استمرار قوة حزب التجمع الوطني للأحرار وتوسعه في بعض المناطق، بينما يشهد تراجعًا نسبيًا في مناطق أخرى، كما هو الحال في مكناس لصالح حزب الاستقلال. يمكن لهذه التغيرات أن تؤثر على ديناميكية التحالفات داخل المجالس الجماعية في جهة فاس مكناس، وقد تفرز أغلبية جديدة في بعض الجماعات. تعبر هذه الانتخابات الجزئية عن رسائل واضحة من الناخبين تجاه أداء الأحزاب المختلفة على المستوى المحلي والوطني. ففوز حزب الاستقلال في مكناس قد يعكس استياءً محليًا من أداء التجمع الوطني للأحرار في هذا الإقليم، بينما يعكس فوز “الحمامة” في مناطق أخرى ثقة الناخبين في قيادة الحزب.

بالفعل، يعزز حزب التجمع الوطني للأحرار نفوذه في إقليم تاونات بفضل الأداء القوي لآلته الانتخابية بقيادة يونس رفيق ومحمد السلاسي في دائرة تاونات، بينما يحافظ مصطفى الميسوري على سيطرته في دائرة القرية. هذا الثلاثي يمثل قوة وازنة داخل الحزب على مستوى الجهة. وفي سياق مماثل، برز يوسف منضور في صفرو، حيث استطاع، بعد انضمامه مؤخرًا للحزب، تحقيق فوز لافت على أحلام الشبشالي عن حزب الأصالة والمعاصرة، مما يؤكد حضوره القوي. وتأتي هذه الديناميكية الانتخابية في ظل التنسيق الجهوي الفعال الذي يقوده محمد شوكي.

لا يمكن فصل هذه النتائج عن السياق السياسي الوطني، حيث يقود حزب التجمع الوطني للأحرار الحكومة. وقد يكون لهذا الموقع تأثير إيجابي على أدائه الانتخابي في بعض المناطق. تكتسب بعض الدوائر أهمية رمزية خاصة، كما هو الحال في “دائرة الموت” بجماعة المنزل، حيث يعكس الفوز بفارق ضئيل حدة المنافسة وتقارب القاعدة الانتخابية للأحزاب المتنافسة.

و تضع نتائج الانتخابات الجزئية الجماعية بجهة فاس مكناس الأحزاب أمام تحديات وفرص جديدة. فبينما يعزز التجمع الوطني للأحرار موقعه كقوة مهيمنة، تبرز قوى أخرى تسعى لترسيخ أقدامها وتوسيع نفوذها. ويبقى المشهد السياسي في الجهة مفتوحًا على تطورات مستقبلية ستحدد ملامح الخريطة الانتخابية خلال الاستحقاقات القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى