ميزانية الصحة ترتفع إلى 45.36 مليار درهم.. لكن أين العلاج حين يعجز المريض عن العثور على سرير أو موعد للفحص؟

لم تعد معضلة المنظومة الصحية في المغرب مرتبطة فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، بل أصبحت مرتبطة أساساً بالسؤال الأكثر إلحاحاً لدى المواطنين: ما الذي يتغير فعلياً داخل المستشفيات؟ فبينما تتجه ميزانية قطاع الصحة والحماية الاجتماعية إلى مستويات مرتفعة، وتُعلن الحكومة عن زيادات في الاستثمار والموارد البشرية، ما زال المريض في عدد من المؤسسات الصحية يصطدم بواقع يومي عنوانه الاكتظاظ، وطول المواعيد، ونقص التجهيزات، وصعوبة الولوج إلى الفحوصات والعلاجات.
وترتفع ميزانية القطاع برسم سنة 2027 إلى نحو 45.36 مليار درهم، بزيادة تقارب 3 مليارات درهم مقارنة بالسنة السابقة، مع برمجة 8000 منصب مالي، وتخصيص 14.49 مليار درهم للاستثمار، من بينها 6.14 مليارات درهم للمؤسسات الاستشفائية، بزيادة تناهز 61%، فضلاً عن تخصيص ملياري درهم للحساب الخاص بالصيدلية المركزية. وهي أرقام تعكس حجماً مالياً مهماً، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً ضرورياً حول مردودية هذا الإنفاق، ومدى قدرته على تحويل الحق في الصحة من التزام دستوري وشعار مؤسساتي إلى خدمة ملموسة يشعر بها المواطن عندما يدخل المستشفى.
فالمشكلة لم تعد في الإعلان عن ميزانيات ضخمة أو تقديم جداول تتضمن اعتمادات ومشاريع ومناصب مالية، وإنما في الفجوة التي ما زالت تفصل بين هذه الأرقام وبين واقع المرضى. فكم من مواطن يحمل وصفة طبية ولا يجد الدواء؟ وكم من مريض ينتظر أسابيع أو شهوراً لإجراء فحص بالأشعة أو موعد مع طبيب مختص؟ وكم من أسرة تضطر إلى البحث عن العلاج في المصحات الخاصة بعدما تعذر عليها الحصول عليه في المستشفى العمومي، رغم أن إمكانياتها المادية لا تسمح بذلك؟
إن ارتفاع الميزانية لا يمكن أن يتحول إلى إنجاز في حد ذاته ما لم ينعكس على جودة الخدمات وسرعة التكفل بالمرضى. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الصحية بعدد المليارات المعلنة، ولا بعدد المستشفيات التي توضع أحجارها الأساسية، بل بقدرته على الوصول إلى الطبيب في الوقت المناسب، وإجراء الفحص دون انتظار طويل، والحصول على الدواء، وإجراء العملية الجراحية دون أن يتحول المرض إلى رحلة من المعاناة الإدارية والمالية والنفسية.
والأخطر أن أزمة العلاج لا تتوقف عند نقص بعض الأدوية أو التجهيزات، بل تمتد إلى اختلالات أعمق تتعلق بتوزيع الموارد البشرية، والتدبير، والنجاعة، والمراقبة. فقد أشار تشخيص لصندوق النقد الدولي إلى استمرار تفاوتات مجالية في توزيع الأطر الصحية، ونقائص في البنيات والموارد، فضلاً عن وجود اختلالات في كفاءة الإنفاق العمومي وعدم تنفيذ بعض الاعتمادات المرصودة. وهي مؤشرات تفرض الانتقال من منطق ضخ الأموال إلى منطق قياس النتائج ومحاسبة المسؤولين عن تعثرها.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي في ظل استمرار التفاوت الصارخ بين الجهات. فالموارد الطبية لا تتوزع بشكل متوازن، والخدمات المتخصصة تظل متركزة في أقطاب حضرية محدودة، بينما يجد سكان مناطق أخرى أنفسهم مضطرين إلى قطع مسافات طويلة من أجل استشارة أو فحص أو علاج يفترض أن يكون متاحاً بالقرب منهم. ووفق معطيات أوردها مختص في السياسات الصحية، فإن نحو 75% من مهنيي الصحة يشتغلون في ثلاث جهات فقط، فيما تتقاسم الجهات التسع الأخرى النسبة المتبقية. وإذا كانت هذه الأرقام تعكس حجم الاختلال، فإنها تطرح سؤالاً مباشراً حول العدالة المجالية في توزيع الأطباء والممرضين والتجهيزات والاستثمارات.
كما أن توسيع التغطية الصحية لا يكفي وحده لضمان الحق في العلاج. فالتأمين لا تكون له قيمة كاملة عندما يجد المؤمن نفسه أمام مؤسسة لا تتوفر على الطبيب أو الفحص أو الدواء، أو عندما يضطر إلى أداء مبالغ إضافية من ماله الخاص لاستكمال العلاج. وقد أشار التشخيص نفسه إلى أن النفقات الصحية المباشرة التي يتحملها المواطنون ما تزال تمثل نحو 43% من مجموع الإنفاق الصحي، بما يكشف أن العبء المالي للمرض لا يزال ثقيلاً على الأسر، وأن الحماية الاجتماعية لم تصل بعد إلى مستوى يطمئن المواطن عند مواجهة المرض.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به المسؤولون هو: ما الجدوى من توسيع التغطية الصحية إذا ظل المريض عاجزاً عن الاستفادة الفعلية من العلاج؟ وما معنى أن ترتفع الاعتمادات المالية بينما تستمر الأسر في الاقتراض أو بيع ممتلكاتها أو اللجوء إلى التبرعات من أجل إجراء عملية جراحية أو شراء دواء؟ إن أي إصلاح لا يخفف العبء المالي عن المرضى ولا يضمن لهم خدمة صحية متاحة وفي الوقت المناسب، سيظل إصلاحاً ناقصاً مهما كانت الأرقام المعلنة كبيرة.
ولا يجوز أيضاً اختزال أزمة القطاع في نقص الموارد المالية، لأن الحكامة والتدبير والمحاسبة عناصر لا تقل أهمية عن التمويل. فكل درهم من المال العام يجب أن تكون له نتيجة قابلة للقياس، وكل مشروع استشفائي ينبغي أن يخضع لتقييم يحدد آجال إنجازه وكلفة تشغيله والموارد البشرية التي ستتولى تسييره. كما أن اقتناء الأجهزة الطبية لا ينبغي أن ينتهي عند لحظة التسليم أو التدشين، بل يجب التأكد من دخولها الخدمة واستمرار تشغيلها وتوفير الأطر التقنية والطبية اللازمة لها.
ومن غير المقبول أن تتحول المستشفيات إلى بنايات مجهزة جزئياً، أو أن تبقى أجهزة طبية خارج الخدمة بسبب أعطاب أو غياب الصيانة أو نقص الأطر المؤهلة. فالمريض لا يحتاج إلى صورة مستشفى حديث، بل إلى مستشفى يشتغل فعلاً، ويستقبله في ظروف تحفظ كرامته، ويوفر له التشخيص والعلاج دون مماطلة. كما أن إعلان إحداث آلاف المناصب المالية لا يجيب وحده عن السؤال، ما لم تُعرف التخصصات المستهدفة، ومواقع التعيين، ومدى سد الخصاص في المناطق التي تعاني فعلياً من قلة الأطباء والممرضين.
وتضع الميزانية الجديدة المسؤولين أمام امتحان أكثر صعوبة من مجرد تعبئة الاعتمادات: امتحان التنفيذ. فالمطلوب ليس فقط بناء مستشفيات جديدة أو ترميم أخرى، وإنما ضمان الموارد البشرية والأدوية والمستلزمات الطبية والتجهيزات والصيانة والتدبير اليومي. كما أن إحداث المجموعات الصحية الترابية لن يكون حلاً سحرياً بمجرد نقل الاختصاصات أو تغيير الهيكلة الإدارية؛ إذ يتوقف نجاحها على وضوح المسؤوليات، واستقلالية التدبير، وشفافية الصفقات، وربط التمويل بمؤشرات الأداء، ونشر نتائج التقييم أمام الرأي العام.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا أين تصرف هذه المليارات، وما الذي تحقق مقابلها، وكم عدد المواعيد التي تم تقليص آجالها، وكم عملية جراحية أُنجزت، وما نسبة توفر الأدوية الأساسية، وكم جهازاً طبياً دخل الخدمة، وما حجم الخصاص الذي تمت معالجته في كل جهة. كما ينبغي نشر معطيات دورية حول مدة الانتظار في التخصصات الطبية، ومدة التكفل بالحالات المستعجلة، ونسبة إلغاء العمليات بسبب نقص الموارد أو التجهيزات. فهذه هي المؤشرات التي تسمح بتقييم السياسة الصحية، لا الاكتفاء بتكرار لغة الاعتمادات والاستثمارات.
إن المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة فقط، بل تمتد إلى الوزارة الوصية، والإدارات الجهوية، ومديري المؤسسات الاستشفائية، وأجهزة المراقبة والتفتيش، وكل المتدخلين في تدبير المال العام. وعلى البرلمان أن ينتقل من مناقشة الأرقام إلى مساءلة المسؤولين عن النتائج، وعلى أجهزة الرقابة أن تتتبع تنفيذ المشاريع والصفقات ومدى احترام آجالها وجودتها، فيما يتعين على الإدارة الصحية أن تتعامل مع شكاوى المرضى باعتبارها مؤشرات على خلل يستوجب التصحيح، لا مجرد انطباعات أو حالات معزولة.
إن ميزانية تبلغ 45.36 مليار درهم ترفع سقف الانتظارات وتضاعف المسؤولية السياسية والإدارية عن النتائج. ولا يكفي أن يقال للمغاربة إن قطاع الصحة حصل على اعتمادات إضافية، لأن المواطن الذي لم يجد موعداً للفحص، أو لم يحصل على الدواء، أو اضطر إلى الانتظار في ممرات المستشفى، لن يشعر بأي تغيير في حياته اليومية.
لقد حان الوقت لقياس إصلاح الصحة بما يلمسه المريض، لا بما تعرضه الجداول المالية. فالمستشفى العمومي لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى إدارة مسؤولة، وموارد بشرية كافية، وأدوية متوفرة، وتجهيزات تعمل، ومحاسبة لا تستثني أحداً. أما استمرار ضخ الأموال دون ضمان أثرها المباشر على العلاج، فيهدد بتحويل الزيادة في الميزانية إلى رقم جديد في الوثائق الرسمية، بينما تظل معاناة المرضى هي الحقيقة الأكثر حضوراً في الواقع.






