اقتصاد

معرض الدواجن بالجديدة.. الوزير يحتفي بأفق 2030 والدجاج يلامس 25 درهماً.. متى تنتقل وزارة الفلاحة من لغة المعارض إلى إنقاذ القدرة الشرائية؟

في الوقت الذي كان فيه وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، خالد حاتيمي، يشرف يوم الأربعاء 4 نونبر 2026 بمدينة الجديدة على افتتاح الدورة السابعة والعشرين للمعرض الدولي للدواجن، كانت أسعار الدجاج في الأسواق المغربية تواصل إثارة غضب المستهلكين، بعدما لامس ثمن الكيلوغرام الواحد 25 درهماً، ووصل في بعض الأسواق إلى مستويات أعلى، في مفارقة تختزل المسافة بين الخطاب المؤسساتي حول تطوير الإنتاج الوطني والواقع اليومي الذي تواجهه الأسر المغربية أمام محلات بيع اللحوم البيضاء.

فالمعرض، الذي يحتضنه مركز المعارض محمد السادس بالجديدة، بمشاركة أكثر من 200 عارض ونحو 300 علامة تجارية، وتحت شعار «قطاع الدواجن بالمغرب على موعد مع 2030»، يقدم صورة عن قطاع يتطلع إلى توسيع استثماراته وتحديث تجهيزاته ورفع قدراته الإنتاجية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة خارج أسوار المعرض هو: ما الجدوى من الحديث عن التنافسية والسيادة الغذائية وتطوير الإنتاج، إذا ظل المواطن عاجزاً عن اقتناء الدجاج بالسعر الذي يناسب قدرته الشرائية؟

هذه ليست ملاحظة عابرة، بل مساءلة حقيقية لسياسة تدبير قطاع حيوي أصبح جزءاً أساسياً من الأمن الغذائي للأسر المغربية. فالمواطن لا ينتظر من الوزارة تنظيم المعارض واستعراض التجهيزات الحديثة فقط، وإنما ينتظر نتائج ملموسة في السوق، ومراقبة فعالة لسلاسل الإنتاج والتوزيع، ومعالجة الاختلالات التي تجعل الأسعار شديدة التقلب، وتضع المستهلك والمربي الصغير معاً أمام واقع اقتصادي صعب.

قطاع يحقق أرقاماً كبيرة.. لكن المواطن لا يرى أثرها

الأرقام التي قدمت خلال افتتاح المعرض تبدو، من الناحية الإنتاجية، مهمة؛ فالقطاع يوفر أكثر من 180 ألف منصب شغل مباشر، ويساهم في إنتاج حوالي 800 ألف طن من اللحوم البيضاء سنوياً. كما تراهن الاستراتيجية المهنية في أفق 2030 على رفع إنتاج اللحوم البيضاء إلى 912 ألف طن، وزيادة إنتاج بيض الاستهلاك إلى نحو 7.6 مليارات وحدة.

لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتجاوز السؤال الأساسي المرتبط بكلفة الإنتاج وهوامش الربح وآليات تحديد الأسعار. فنجاح القطاع لا يقاس فقط بعدد الأطنان المنتجة أو عدد الشركات المشاركة في المعارض، وإنما بمدى قدرة السوق الوطنية على توفير منتوج أساسي بأسعار معقولة، وبمدى استفادة المربي الصغير والمتوسط من سلسلة القيمة، بدل أن تبقى حلقات مهمة من هذه السلسلة تحت تأثير عدد محدود من الفاعلين.

وتكشف المعطيات التي سبق أن أثارها مجلس المنافسة بشأن سوق الأعلاف المركبة عن اختلالات تستحق معالجة جادة، إذ سجل المجلس تركيزاً مرتفعاً في سوق الأعلاف الموجهة للدواجن، إلى جانب اختلالات تنافسية في سوق الكتاكيت. والأكثر أهمية أن الأعلاف والكتاكيت تشكلان معاً حوالي 75 في المائة من تكلفة إنتاج دجاج اللحم، وهو ما يجعل مراقبة هذه الحلقات مدخلاً أساسياً لفهم أسباب الغلاء.

Conseil de la concurrence du Maroc+1

كما أن مجلس المنافسة سبق أن أطلق مسطرة تحقيق بشأن بعض الممارسات التجارية في سوق الأعلاف المركبة، مع التأكيد على أن فتح التحقيق لا يعني ثبوت مخالفة قانونية، وإنما يستدعي التحقق من طبيعة الممارسات ومدى احترامها لقواعد المنافسة. وهذا بالضبط ما ينبغي أن يكون في صلب اهتمام الوزارة، لأن الحديث عن تخفيض الأسعار دون معالجة تكلفة الأعلاف والكتاكيت يظل حديثاً ناقصاً.

الحرس القديم.. هل حان وقت تجديد النخب الإدارية داخل المؤسسات الفلاحية؟

إن المسؤولية السياسية والإدارية لوزير الفلاحة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود حضور التظاهرات المهنية وإلقاء الكلمات الرسمية، بل تفرض عليه فتح ورش حقيقي لإعادة ترتيب البيت الداخلي للمؤسسات التابعة للقطاع، ومراجعة طرق اشتغالها ونجاعة تدبيرها، والوقوف على أسباب استمرار بعض الاختلالات رغم توالي البرامج والاستراتيجيات.

وهنا تبرز ضرورة القطع مع منطق تدبير المؤسسات بعقلية تقليدية، وتجديد النخب الإدارية والتقنية، وفتح المجال أمام الكفاءات القادرة على تقديم حلول جديدة، بعيداً عن منطق الامتيازات والمواقع التي تتحول أحياناً إلى مسؤوليات طويلة الأمد دون تقييم حقيقي للحصيلة.

فالوزير، إذا كان يريد تحقيق نتائج ملموسة في القطاع الفلاحي، مطالب بإعادة النظر في تركيبة وآليات اشتغال المؤسسات الواقعة تحت وصاية وزارته، ومراجعة أداء المسؤولين عن الملفات الاستراتيجية، وعدم التساهل مع أي مسؤول يثبت أن حصيلته لا ترقى إلى مستوى الانتظارات. والمقصود هنا ليس استهداف الأشخاص بسبب أقدميتهم، وإنما إنهاء ثقافة الجمود الإداري، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الفرصة للكفاءات التي تستطيع تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة.

ويشمل هذا الورش المؤسسات المكلفة بالتنمية الفلاحية، والمراقبة الصحية، والبحث الزراعي، والتسويق، والتمويل والمواكبة، إلى جانب مختلف المتدخلين في سلاسل الإنتاج. كما يتطلب تقييماً موضوعياً لأداء المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، والمكاتب والمؤسسات العمومية المعنية بتنفيذ السياسة الفلاحية، ومدى قدرتها على حماية المستهلك وضمان تنافسية المنتج الوطني.

فلا يمكن بناء قطاع فلاحي قوي بمؤسسات تكتفي بتدبير الملفات الإدارية، أو بإنتاج التقارير والاجتماعات، دون أن يشعر المواطن والمزارع والمربي بنتائج عملها على أرض الواقع.

من الأعلاف إلى المجازر.. سلسلة كاملة تحتاج إلى افتحاص

إن معالجة أزمة الدجاج لا يمكن أن تتم عبر مطالبة بائع التقسيط وحده بخفض الأسعار، لأن المشكلة أعمق من الحلقة الأخيرة في سلسلة التسويق.

هناك الأعلاف المركبة، والكتاكيت، والمفاقس، والضيعات، والنقل، والوسطاء، وأسواق الجملة، والمجازر الصناعية، ووحدات التبريد والتخزين. وكل حلقة من هذه الحلقات تحتاج إلى مراقبة وتقييم دقيقين، لمعرفة أين ترتفع التكلفة، وأين تتراكم الهوامش، وما إذا كانت المنافسة قائمة فعلياً أم أن بنية السوق تسمح بتمركز النفوذ الاقتصادي في أيدي فاعلين محدودين.

وقد سبق أن كشف النقاش الذي أثاره مجلس المنافسة عن هشاشة تنظيم القطاع وهيمنة التسويق غير المهيكل، إذ تشير المعطيات التي تناولها تقرير المجلس إلى أن حوالي 92 في المائة من لحوم الدواجن الحية تسوق عبر وحدات غير مهيكلة. وهذه نسبة تطرح تحديات حقيقية أمام مراقبة الجودة والسلامة الصحية وتنظيم السوق.

Le 360 Arabe+1

ومن هنا، فإن الوزير مطالب بإطلاق افتحاص مؤسساتي وتقني شامل لسلسلة الدواجن، والوقوف على كيفية اشتغال المؤسسات المكلفة بالمراقبة والتأطير والمواكبة، ومدى تنفيذ الالتزامات المهنية، ونتائج البرامج التي رصدت لها إمكانيات مالية مهمة.

كما يتعين تسريع تطوير المجازر الصناعية ووحدات التبريد والتخزين، بما يسمح بالاستفادة من فترات وفرة الإنتاج لتكوين مخزون يخفف من حدة التقلبات الموسمية، ويحمي المربي من الانهيار السعري في فترات فائض العرض، ويحمي المستهلك من الارتفاعات الحادة في فترات الخصاص.

لا يمكن أن يربح الجميع إلا بسوق منظمة

ومن المفارقات التي تستحق الوقوف عندها أن قطاع الدواجن عاش خلال الأشهر الماضية مرحلة تراجع حاد في الأسعار، وصلت خلالها أسعار البيع في بعض مناطق الإنتاج إلى مستويات تراوحت بين 6 و8 دراهم للكيلوغرام، وفق تصريحات مهنية، وهو ما تسبب في خسائر دفعت عدداً من المربين إلى تقليص نشاطهم أو الانسحاب من الدورة الإنتاجية.

وبعد ذلك، انتقلت الأسعار إلى مستويات مرتفعة، حيث سجلت أسواق الجملة حوالي 20 درهماً للكيلوغرام في بعض الفترات، فيما تراوحت أسعار التقسيط بين 25 و30 درهماً. وقد ربط مهنيون هذا التحول بتراجع العرض نتيجة تقليص الإنتاج، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الكتكوت والأعلاف.

الصحراء المغربية+2

وهذا التذبذب الحاد يؤكد أن القطاع يعاني من مشكلة هيكلية في تدبير التوازن بين العرض والطلب، وأن ترك المربين الصغار والمتوسطين وحدهم في مواجهة الخسائر، ثم ترك المستهلك وحده في مواجهة الغلاء، لا يمكن أن يشكل سياسة مستدامة للأمن الغذائي.

إن المطلوب هو بناء آلية استباقية لتتبع الإنتاج الوطني، وتوقع حاجيات السوق، وضمان استقرار التموين، وتطوير قنوات التسويق والتخزين، مع حماية المنافسة ومنع أي ممارسات احتكارية يثبتها التحقيق القانوني.

المعرض انتهى.. والامتحان الحقيقي يبدأ في الأسواق

إن الدورة السابعة والعشرين لمعرض الدواجن بالجديدة، بما تحمله من مشاركة دولية واسعة وشركات متخصصة واستثمارات وتكنولوجيات جديدة، تشكل فرصة مهمة لتطوير القطاع، لكن نجاحها الحقيقي ينبغي ألا يقاس بعدد العارضين والعلامات التجارية أو التصريحات المتفائلة بشأن أفق 2030.

الامتحان الحقيقي أمام وزير الفلاحة هو ما إذا كانت هذه التظاهرة ستتحول إلى نقطة انطلاق لإصلاح عميق، أم ستضاف إلى سلسلة من اللقاءات المهنية التي تنتهي بانتهاء أيام المعرض، بينما تستمر الأزمة في الأسواق.

وعلى الوزير أن يضع أمامه أسئلة واضحة: لماذا لا تنعكس الإمكانيات الإنتاجية الوطنية على استقرار الأسعار؟ لماذا تتكرر أزمات فائض الإنتاج ثم الخصاص؟ ما حصيلة التحقيقات المرتبطة بسوق الأعلاف؟ ما الإجراءات المتخذة لتنظيم سوق الكتاكيت؟ وما الذي تحقق فعلياً في مجال تطوير المجازر الصناعية والتسويق المنظم؟

إن تجديد المؤسسات الفلاحية، وتطهير طرق تدبيرها من مظاهر الجمود والامتيازات غير المستحقة، وإعادة الاعتبار للكفاءات، وإخضاع المسؤولين لتقييم دوري، ليست شعارات إصلاحية للاستهلاك الإعلامي، بل شروط أساسية لاستعادة الثقة في المؤسسات المكلفة بتنفيذ السياسة الفلاحية.

فالسيادة الغذائية لا تتحقق فقط بإنتاج كميات كبيرة من اللحوم والبيض، وإنما تتحقق أيضاً حين يستطيع المواطن شراء غذائه بسعر معقول، وحين يجد المربي الصغير شروطاً عادلة للاستمرار، وحين تعمل المؤسسات الرقابية بكفاءة واستقلالية وشفافية.

لقد قدم معرض الجديدة صورة عن قطاع يتطلع إلى المستقبل، لكن أسعار الدجاج قدمت صورة أخرى عن واقع يحتاج إلى تدخل سياسي ومؤسساتي عاجل. وبين الصورتين يوجد امتحان حقيقي لوزير الفلاحة: إما أن ينتقل من تدبير المعارض والبرامج إلى إصلاح المؤسسات والأسواق، أو أن تظل وعود أفق 2030 أكبر من قدرة المواطن على اقتناء دجاجة لعائلته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى