إصلاح الضريبة على الدخل في المغرب.. الحكومة تراهن على زيادة الأجور الصافية إلى 500 درهم شهريا وتخفيف العبء الضريبي تدريجيا إلى 2031

تراهن الحكومة المغربية، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027، على إعادة هيكلة الضريبة على الدخل عبر مراجعة شرائحها ونسبها، وتوسيع نطاق الإعفاء الضريبي، ورفع الخصم المرتبط بالمصاريف المهنية، في خطوة تستهدف تقليص الاقتطاعات الضريبية من أجور الموظفين والأجراء وتحسين المبالغ الصافية التي يتوصلون بها شهريا.
وكشف فوزي لقجع، الوزير المكلف بالمالية، خلال تقديم مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، أن الإصلاح المقترح سيتيح لفئات واسعة من الأجراء المعنيين تحقيق مكاسب مالية شهرية قد تصل إلى 500 درهم، فيما قدرت الحكومة كلفته الإجمالية بنحو 5.5 مليارات درهم.
ولا يرتقب أن يستفيد جميع الأجراء بالمقدار نفسه، إذ يرتبط حجم المكسب بمستوى الدخل الخاضع للضريبة، وبكيفية تطبيق الإصلاح على امتداد السنوات المقبلة. كما أن الزيادة المعلن عنها لا تعني بالضرورة رفع الأجر الخام الذي يتفق عليه الأجير مع مشغله، بل تنتج أساسا عن تقليص الضريبة المستحقة، بما يرفع الأجر الصافي المقبوض.
ثلاثة تغييرات أساسية في النظام الضريبي
يقوم الإصلاح المقترح على ثلاثة محاور رئيسية. أولها رفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل السنوي الصافي الخاضع للضريبة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، بما يوسع نطاق الدخول المعفاة من هذه الضريبة.
ويتمثل المحور الثاني في رفع نسبة الخصم المخصص للمصاريف المهنية من 25 إلى 45 في المائة، مع سقف سنوي يبلغ 35 ألف درهم، وفق المعطيات الواردة في العرض المتعلق بالإصلاح. ويهدف هذا الخصم إلى تقليص الوعاء الذي تحتسب على أساسه الضريبة، بعدما تسمح القواعد الجبائية باقتطاع نسبة محددة مقابل المصاريف المرتبطة بالنشاط المهني.
أما المحور الثالث فيتعلق بإعادة توزيع الشرائح الضريبية وخفض بعض المعدلات، ضمن تنزيل تدريجي يمتد من سنة 2027 إلى سنة 2031، مع الإبقاء على مبدأ الضريبة التصاعدية الذي يجعل النسبة المطبقة مرتبطة بمستوى الدخل.
وتسعى الحكومة من خلال هذه الإجراءات إلى تخفيف الضغط الضريبي على الأجور، غير أن الأثر الفعلي للإصلاح سيظل رهينا بالتفاصيل النهائية التي سيقرها القانون، وبكيفية احتساب الاقتطاعات الاجتماعية والضريبية لكل فئة من الأجراء.
كيف سينعكس الإصلاح على الأجر الذي يصل إلى الحساب البنكي؟
لفهم أثر التغييرات المقترحة، ينبغي التمييز بين الأجر الخام، والأجر الصافي الخاضع للضريبة، والأجر الصافي الذي يتوصل به الموظف فعليا.
فالأجر الخام هو المبلغ المستحق قبل الاقتطاعات. وبعد خصم الاشتراكات الاجتماعية وغيرها من الاقتطاعات المعمول بها، يتم تحديد الدخل الذي يخضع للضريبة، مع مراعاة الخصومات التي يسمح بها القانون. وبعد اقتطاع الضريبة على الدخل، يتوصل الأجير بالمبلغ الصافي النهائي.
ويظهر مثال حسابي وارد ضمن المعطيات التفسيرية للإصلاح أثر هذه العملية بالنسبة إلى أجير يتقاضى أجرا خاما شهريا قدره 9606.27 دراهم.
فبعد اقتطاع 217.10 درهما للتأمين الإجباري عن المرض و268.80 درهما للضمان الاجتماعي، يبلغ مجموع الاقتطاعات الاجتماعية 485.90 درهما، ويتراجع الأجر إلى 9120.37 درهما قبل احتساب الضريبة.
وبعد تطبيق الخصم المهني المفترض في المثال، والبالغ 2916.67 درهما، يصبح الدخل الشهري الخاضع للضريبة 6203.70 دراهم. ووفق الشرائح المعروضة لسنة 2027، تبلغ الضريبة الشهرية المحسوبة في المثال 120.37 درهما، ليصل الأجر الصافي النهائي إلى 9000 درهم.
وتوضح هذه العملية أن تخفيض الضريبة لا يعني إلغاء الاقتطاعات الاجتماعية، كما أن مبلغ الاستفادة لا يمكن تحديده بدقة اعتمادا على الأجر الخام وحده، بل يتطلب معرفة مختلف عناصر الأجر والخصومات المسموح بها والوضعية الجبائية للأجير.
تنزيل تدريجي إلى غاية 2031
لا يقتصر المشروع على تعديل واحد يدخل حيز التطبيق دفعة واحدة، بل يقترح تغييرات متتابعة في الشرائح الضريبية ومعدلاتها خلال خمس سنوات.
ففي النظام المعمول به سنة 2026، يبدأ الإعفاء، وفق الجدول الوارد في المعطيات المقدمة، عند دخل شهري لا يتجاوز 3333 درهما، فيما تصل النسبة القصوى إلى 37 في المائة بالنسبة إلى الدخول التي تتجاوز 15 ألف درهم شهريا.
وفي سنة 2027، يرتفع سقف الإعفاء إلى 5000 درهم شهريا، مع استمرار عدد من المعدلات المعمول بها حاليا على الشرائح الأعلى. وفي سنة 2028، تقترح الحكومة توسيع الشريحة الخاضعة لنسبة 10 في المائة، مع اعتماد نسبة 25 في المائة على الشريحة التالية، والإبقاء على نسبة 37 في المائة للدخول الأعلى.
وبحلول سنة 2029، تتسع الشريحة الخاضعة لنسبة 10 في المائة إلى 10833 درهما، مع خفض النسبة المطبقة على الشريحة الأعلى المعنية إلى 35 في المائة. وفي سنة 2030، تقترح الحكومة خفض النسبة القصوى إلى 30 في المائة، مع توسيع نطاق الشرائح ذات المعدلات الأقل.
أما في سنة 2031، فيتضمن الجدول المقترح توسيع الشريحة الخاضعة لنسبة 20 في المائة إلى حدود 41667 درهما شهريا، مع تطبيق نسبة 30 في المائة على الدخل الذي يتجاوز هذا المستوى.
وتعكس هذه التغييرات توجها نحو تخفيف العبء الضريبي تدريجيا، غير أن أثرها النهائي على كل فئة يتطلب احتساب الضريبة المستحقة وفق الشرائح التراكمية والخصومات القانونية، وليس تطبيق نسبة واحدة على مجموع الأجر.
الأجور المرتفعة قد تحقق مكاسب أكبر
وتشير الأمثلة الحسابية المصاحبة للإصلاح إلى أن الاستفادة المالية قد تتزايد مع ارتفاع الأجر، خصوصا مع توسيع الشرائح ذات المعدلات المنخفضة وتقليص النسبة القصوى.
وفي مثال يتعلق بأجير يتقاضى 20 ألف درهم شهريا، تعرض المعطيات مسارا افتراضيا يرتفع فيه الأجر الصافي من 20 ألف درهم في سنة 2026 إلى 20500 درهم في 2027، ثم إلى 21467 درهما في 2028، و22270 درهما في 2029، و22778 درهما في 2030، وصولا إلى 23460 درهما في 2031.
غير أن هذه الأرقام تظل رهينة الفرضيات التي بُني عليها المثال، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها زيادة مضمونة في الأجر الصافي لكل شخص يتقاضى 20 ألف درهم، لأن النتيجة تتغير بحسب الوضعية الضريبية الفعلية وطريقة تطبيق المقتضيات النهائية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ياسين اعليا أن المكاسب الشهرية قد ترتفع بالنسبة إلى أصحاب الدخول العليا خلال السنوات الأخيرة من الإصلاح، معتبرا أن ذلك يطرح سؤالا بشأن توزيع الاستفادة بين الفئات الاجتماعية، ومدى وصول أثر التخفيضات إلى الأجراء ذوي الدخل المحدود.
هل يكفي تخفيض الضريبة لتحسين القدرة الشرائية؟
رغم الأثر المباشر المتوقع لتقليص الضريبة على الأجور الصافية، فإن الإصلاح يفتح نقاشا أوسع بشأن قدرته على تحسين القدرة الشرائية بصورة مستدامة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاوت مستويات الدخل.
ويرى رشيد أوراز، كبير الباحثين في المعهد المغربي لتحليل السياسات، أن توسيع الاستفادة من التخفيضات الضريبية قد يدعم الطلب على السلع والخدمات، لكنه يحذر من احتمال انعكاس زيادة الطلب على الأسعار إذا لم تواكبها زيادة في العرض والإنتاجية. كما يعتبر أن الفئات الأقل دخلا، التي قد لا تستفيد بالقدر نفسه من تخفيض الضريبة، تحتاج إلى سياسات اجتماعية واقتصادية أكثر شمولا.
من جهته، يثير الفاعل السياسي والخبير المالي عمر الحياني سؤال تمويل الإصلاح، بالنظر إلى كلفته المقدرة بنحو 5.5 مليارات درهم، معتبرا أن تحسين القدرة الشرائية لا يقاس فقط بالمبلغ الإضافي الذي يصل إلى الحساب البنكي، وإنما كذلك بجودة التعليم والصحة والسكن والخدمات العمومية التي يستفيد منها المواطنون.
وتضع هذه الملاحظات الإصلاح أمام معادلة مزدوجة: تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء من جهة، والحفاظ على قدرة الدولة على تمويل الخدمات العمومية والبرامج الاجتماعية من جهة أخرى.
ماذا عن الأجراء الذين يتقاضون أقل من 10 آلاف درهم؟
أثار تقديم الإصلاح نقاشا بشأن التصريحات المتعلقة بإعفاء الأجور الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم من الضريبة على الدخل. غير أن التحقق من مدى انطباق هذا الإعفاء على جميع الحالات يتطلب التمييز بين الأجر الصافي بعد الاقتطاعات الاجتماعية، والدخل الصافي الخاضع للضريبة، والمبلغ النهائي الذي يتوصل به الأجير.
فبلوغ الأجر الصافي المقبوض مستوى يقل عن 10 آلاف درهم لا يعني تلقائيا أن صاحبه معفى من الضريبة، كما أن ارتفاع الأجر الخام لا يكفي وحده لتحديد الضريبة المستحقة. وتظل الشرائح القانونية والخصومات المعتمدة وطبيعة الاقتطاعات عناصر أساسية في تحديد النتيجة النهائية.
وبناء عليه، فإن الحسم في مدى صحة التصريحات المتعلقة بالإعفاء يتطلب مطابقة الأمثلة الحسابية مع النص النهائي لمشروع قانون المالية ومقتضيات المدونة العامة للضرائب، تفاديا للخلط بين مستويات الدخل المختلفة.
وفي المحصلة، يمثل إصلاح الضريبة على الدخل أحد أبرز التدابير المقترحة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، بالنظر إلى أثره المباشر المحتمل على أجور الموظفين والأجراء. لكن نجاحه لن يقاس فقط بحجم التخفيضات المعلنة، بل بمدى انعكاسها الفعلي على القدرة الشرائية، وبكيفية توزيع الاستفادة بين فئات الدخل المختلفة، وبقدرة المالية العمومية على مواصلة تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.






