قضايا

اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب يفجر موجة تضامن ومطالب بإطلاق سراحه.. هل تتحرك الحكومة الجديدة لتصحيح اختلالات تدبير الصحة ومحاسبة المسؤولين؟

أثار اعتقال البروفيسور رشيد شرقاب، الأستاذ الجامعي والطبيب المتخصص في التخدير والإنعاش، موجة من ردود الفعل الحقوقية والمهنية، بعدما جرى إيداعه السجن من داخل قاعة المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، عقب الحكم عليه بسنة واحدة حبسا نافذا، في قضية ترتبط بانتقادات وتصريحات حول تدبير المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، وما سبق أن أثاره من اختلالات قال إنها تشوب المؤسسة الصحية.

وتجاوزت تداعيات القضية حدود ملف قضائي انتهى بصدور حكم ابتدائي، لتتحول إلى نقاش واسع حول حماية المبلغين عن الاختلالات داخل المؤسسات العمومية، وحدود حرية التعبير والنقد المهني، ومسؤولية الحكومة في ضمان ألا يصبح كشف الأعطاب الإدارية والتدبيرية سببا في إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.

وتصاعدت مطالب إطلاق سراح البروفيسور شرقاب، بالتزامن مع اتساع دائرة التضامن معه في الأوساط الحقوقية والنقابية والطبية، وسط دعوات إلى إعادة النظر في التدبير السالب للحرية المتخذ في حقه، وفتح تحقيق مستقل في الشكايات التي سبق أن تقدم بها بشأن تدبير مستشفى ابن رشد، والتحقق من مآلها وترتيب المسؤوليات القانونية إذا ثبتت المخالفات.

وكانت المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع قد أصدرت، يوم الأربعاء 21 أكتوبر الجاري، أحكاما بالحبس النافذ في حق ثلاثة متهمين في الملف نفسه؛ قضت بسنتين حبسا نافذا في حق عبد اللطيف صدار، وسنة واحدة في حق البروفيسور رشيد شرقاب، وستة أشهر في حق محمد آيت الطالب، إلى جانب غرامات مالية وتعويضات مدنية، من بينها مبلغ مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء سطات، وفق المعطيات المنشورة بشأن القضية.

غير أن النقطة التي أثارت أشد ردود الفعل لم تكن العقوبة الحبسية وحدها، بل إيداع الطبيب السجن مباشرة بعد النطق بالحكم، بعدما كان يتابع في حالة سراح. وهو ما دفع فعاليات حقوقية إلى التساؤل بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، والتناسب بين التدابير المتخذة وطبيعة الملف، مع التأكيد على أن تقييم سلامة الإجراءات يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة، وأن الحكم الابتدائي لا يعفي من حق الأطراف في سلوك طرق الطعن المتاحة قانونا.

تضامن متصاعد ومطالب واضحة بالإفراج والتحقيق

ودخلت المنظمة المغربية للحقوق والحريات على خط القضية، معلنة انشغالها بواقعة اعتقال شرقاب، ومطالبة بالإفراج عنه وإعادة النظر في التدبير السالب للحرية، بالتوازي مع الدعوة إلى فتح بحث إداري ورقابي مستقل بشأن الاختلالات المحتملة التي سبق أن أثيرت داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.

كما عبرت الجمعية المغربية لحماية المال العام عن موقف منتقد لاعتقال الطبيب، وطالب رئيسها محمد الغلوسي بالإفراج عنه، داعيا إلى التعامل بجدية مع الشكايات التي سبق أن تقدم بها بشأن التدبير داخل المؤسسة الصحية.

وتكشف هذه المواقف أن القضية لم تعد محصورة في العلاقة بين متهم ومؤسسة صحية لجأت إلى القضاء، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أوسع: كيف يمكن للدولة أن تحمي حقوق الأشخاص والمؤسسات أمام القضاء، وفي الوقت نفسه تضمن وجود قنوات فعالة ومستقلة لتلقي التبليغات عن الاختلالات والتحقيق فيها، دون أن يترسخ لدى العاملين في المرافق العمومية شعور بأن إثارة المشاكل قد تعرضهم لمخاطر مهنية أو قضائية؟

إن المطالبة بالتحقيق في الشكايات لا تعني التسليم بصحة كل ما ورد فيها، كما أن صدور حكم قضائي لا يلغي ضرورة التحقق من أي اختلالات أخرى جرى التبليغ عنها عبر المسارات القانونية. فالمسألتان منفصلتان، ولكل واحدة منهما إجراءاتها وضماناتها، وأي مقاربة جدية ينبغي أن تضمن حقوق جميع الأطراف، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو إغلاق الملفات دون توضيح مآلها.

من مرحلة أمين التهراوي إلى الحكومة الحالية.. مسؤولية سياسية في تصحيح المسار

وتعيد القضية إلى الواجهة حصيلة تدبير القطاع الصحي خلال المرحلة السابقة، حين كان أمين التهراوي يتولى حقيبة الصحة والحماية الاجتماعية، وهي المرحلة التي تبلورت خلالها ملفات وانتقادات مرتبطة بحكامة المؤسسات الصحية والموارد البشرية وظروف اشتغال الأطر الطبية.

وبينما تعود خلفيات عدد من هذه الإشكالات إلى المرحلة السابقة، فإن التطورات القضائية الأخيرة تضع الحكومة الحالية أمام مسؤولية سياسية ومؤسساتية تتمثل في التعامل مع الاختلالات الموروثة، والتحقق من الشكايات العالقة، وضمان استمرارية المرفق الصحي وفق قواعد الشفافية والمساءلة.

ولا يتعلق الأمر بالتدخل في القضاء أو التأثير في مسار ملف معروض عليه، بل بضرورة الفصل بين الاختصاص القضائي في البت في التهم، والاختصاص الإداري والرقابي في فحص تدبير المؤسسات الصحية، وتحديد أوجه القصور المحتملة، واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة.

فالحكومة الحالية مطالبة بإثبات أن تغيير المسؤولين والهياكل ليس مجرد انتقال إداري، وإنما بداية فعلية لإصلاح منظومة ظلت تواجه انتقادات بشأن الخصاص في الموارد البشرية، وتأخر المستحقات المالية، وضعف التواصل مع مهنيي الصحة، وتدبير مناصب المسؤولية، وتفاوت جودة الخدمات بين المؤسسات والمناطق.

وإذا كانت الحكومة قد تعهدت بمواصلة إصلاح المنظومة الصحية، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتها على معالجة الملفات التي خلفتها المرحلة السابقة، بدل الاكتفاء بإعادة ترتيب الهياكل وتغيير التسميات. ويشمل ذلك إخضاع الشكايات الجدية للتحقيق، وتوفير الحماية القانونية للمبلغين وفق الضوابط المعمول بها، وإعلان نتائج الأبحاث التي يسمح القانون بنشرها، وترتيب الجزاءات عند ثبوت المخالفات.

المجموعة الصحية الترابية بالدار البيضاء سطات تحت المجهر

وتتجه الأنظار كذلك إلى طريقة تدبير المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء سطات، التي دخلت مرحلة التفعيل الرسمي في فاتح شتنبر 2026، في إطار إصلاح يروم توحيد التدبير الصحي جهويا وتحسين الحكامة والتنسيق بين المؤسسات الصحية.

ويترأس مولاي هشام عفيف الإدارة العامة للمجموعة، التي أُسندت إليها مسؤولية تدبير مرحلة انتقالية واسعة تشمل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد ومؤسسات صحية أخرى بالجهة، في وقت تطرح فيه انتقادات نقابية ومهنية بشأن طريقة تنزيل هذا التحول، ومدى استعداد الإدارة الجديدة لمعالجة الاختلالات المتراكمة.

ففي يوليوز الماضي، عبر المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية، المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، عن قلقه من غياب مقاربة تشاركية كافية في تنزيل المجموعة الصحية الترابية، مسجلا، بحسب بيانه، استمرار الخصاص في الموارد البشرية، واختلال توزيع الأطر، والتأخر في صرف التعويضات المرتبطة بالحراسة والإلزامية، فضلا عن ارتباك إداري في بعض المؤسسات الصحية.

كما أثارت نقاشات مهنية سابقة، تزامنا مع الانطلاقة الرسمية للمجموعة، تساؤلات بشأن توقيت تدبير مناصب المسؤولية، ووضوح الهيكلة التنظيمية، ومستوى التشاور مع النقابات، ومدى جاهزية الإدارة لمعالجة الملفات الإدارية والمالية العالقة.

وتكتسب هذه الانتقادات أهمية إضافية بالنظر إلى حجم المسؤولية الملقاة على المجموعة الصحية الترابية، إذ أشار عرض سابق لمديرها العام إلى أن عدد موظفي المركز الاستشفائي الجامعي يناهز خمسة آلاف ومائة موظف، مقابل نحو ثمانية آلاف موظف على مستوى الجهة، وهي موارد بشرية ضخمة يفترض أن تنعكس إدارتها الجيدة على جودة الخدمات المقدمة للمرضى.

ومن هنا، فإن الحكم على نجاح الإدارة الجديدة لا يمكن أن يستند إلى الخطاب أو الوعود وحدهما، بل يتطلب نتائج قابلة للقياس، تشمل تقليص آجال المواعيد، وتحسين ظروف الاستقبال والعلاج، وتسوية مستحقات العاملين، ومعالجة الخصاص في التخصصات الطبية، وضمان الشفافية في التعيينات والتدبير المالي والإداري.

أما الحديث عن فشل التدبير، فينبغي أن يستند إلى حصيلة موثقة ومؤشرات واضحة، لا إلى الانطباعات وحدها. غير أن تراكم الانتقادات النقابية والمهنية، واستمرار طرح ملفات الموارد البشرية والحكامة والتواصل، يضع الإدارة أمام ضرورة تقديم أجوبة عملية عن مدى تقدم الإصلاح، وما تحقق فعليا منذ انطلاق المجموعة، وما لا يزال متعثرا.

ولا يمكن اعتبار التغيير المؤسساتي نجاحا في حد ذاته إذا لم يشعر المواطن بتحسن ملموس في الخدمات، ولم يلمس العاملون في القطاع تحولا في ظروف العمل وآليات اتخاذ القرار. فالمجموعة الصحية الترابية ليست غاية إدارية، وإنما وسيلة لتحسين العلاج وضمان الإنصاف في الولوج إلى الخدمات الصحية.

هل تتحول القضية إلى لحظة لمراجعة تدبير القطاع؟

إن قضية البروفيسور رشيد شرقاب تضع أكثر من جهة أمام مسؤولياتها، من دون أن تبرر الخلط بين المسارات القانونية والإدارية. فالقضاء مطالب بالبت في الملف وفق القانون وضمان حقوق الدفاع، والإدارة الصحية مطالبة بتوضيح مآل الشكايات المرتبطة بتدبير المستشفى، والحكومة مطالبة بضمان وجود آليات فعالة للمراقبة والمساءلة، بينما يظل المجتمع المدني والنقابات معنيين بمتابعة الإصلاح والدفاع عن الحق في الصحة وحرية التبليغ المسؤول.

وتتمثل الخطوة الأكثر إلحاحا في الكشف عن المسار الذي سلكته الشكايات السابقة للبروفيسور شرقاب، وتحديد ما إذا كانت قد خضعت لأبحاث إدارية أو قضائية، مع الإعلان عن نتائجها في الحدود التي يسمح بها القانون. كما أن تقديم توضيحات مؤسساتية بشأن التدبير داخل ابن رشد من شأنه أن يساعد على فصل الوقائع المثبتة عن الادعاءات، ويعيد النقاش إلى أساسه: حماية المرفق العام وضمان حقوق العاملين والمرضى.

وفي الوقت نفسه، تتواصل المطالب بإطلاق سراح الطبيب، باعتبارها مطلبا حقوقيا يتعين التعامل معه عبر الآليات القانونية المتاحة، مع احترام استقلال القضاء وعدم استباق ما قد تسفر عنه إجراءات الطعن.

إن التحدي الذي تواجهه الحكومة الحالية لا يكمن في إصدار مواقف عامة حول الإصلاح، بل في إظهار قدرتها على تصحيح الاختلالات التي يثبت وجودها، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، وتوفير بيئة مؤسساتية تشجع على التبليغ عن التجاوزات بدل الصمت عنها.

فحين تتسع دائرة التضامن مع طبيب جامعي جرى اعتقاله عقب حكم ابتدائي، وتتصاعد المطالب بالتحقيق في شكايات مرتبطة بمؤسسة استشفائية كبرى، يصبح من الضروري أن تكون الاستجابة مؤسساتية وشفافة، بعيدة عن منطق التبرير أو التوظيف.

وبين مطلب إطلاق سراح البروفيسور رشيد شرقاب، وضرورة احترام الأحكام القضائية وطرق الطعن، وانتظارات مهنيي الصحة من المجموعة الصحية الترابية، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة الثقة في المستشفى العمومي، عبر حكامة مسؤولة ومساءلة فعلية، تجعل مصلحة المريض وكرامة العاملين ونزاهة التدبير في صلب الإصلاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى