سياسة

محمد لبراهمي رئيسا جديدا لحركة التوحيد والإصلاح خلفا لأوس رمال.. جمع عام ثامن يقر تغييرات تنظيمية ويجدد القيادة

انتخب الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح، المنعقد بمدينة بوزنيقة، الدكتور محمد لبراهمي رئيسا جديدا للحركة لولاية تمتد من سنة 2026 إلى سنة 2030، خلفا لأوس رمال، بعدما حصل على 352 صوتا، محققا الأغلبية المطلقة، في محطة تنظيمية حملت معها تجديدا للقيادة ومراجعة لعدد من القواعد المنظمة لعمل الحركة.

وجرى انتخاب لبراهمي مساء السبت 24 أكتوبر، خلال أشغال الجمع العام الذي احتضنه مجمع مولاي رشيد للشباب والطفولة ببوزنيقة أيام 23 و24 و25 أكتوبر الجاري، تحت شعار «بالاستقامة ينهض الوطن، وبالمقاومة تعز الأمة». وجاء الحسم بعد ساعات من النقاش والتداول بين المؤتمرين، إثر مرحلة أولية أفرزت خمسة أسماء للتنافس على رئاسة الحركة، هي الرئيس المنتهية ولايته أوس رمال، ورشيد العدوني، وعبد الرحيم شيخي، ومحمد لبراهمي، والحسين الموس.

ويعد الرئيس الجديد من الوجوه التي راكمت تجربة تنظيمية ودعوية داخل الحركة، إذ يشغل عضوية مكتبها التنفيذي منذ سنة 2013، وتولى خلال الولاية السابقة مسؤولية قسم الدعوة والعمل الثقافي، كما سبق له الإشراف على قسم الشباب المركزي وترؤس منظمة التجديد الطلابي. وعلى المستوى الأكاديمي، حصل على الدكتوراه في الفقه وأصوله سنة 2012 من جامعة محمد الأول بوجدة، عن بحث تناول الأسرة والتربية على القيم.

ويأتي انتخاب لبراهمي في سياق انتقال القيادة بعد ولاية أوس رمال الممتدة بين 2022 و2026، بما يفتح مرحلة جديدة أمام الحركة لتدبير ملفاتها التنظيمية والدعوية والتربوية، وتحديد أولويات عملها خلال السنوات الأربع المقبلة. ويضع هذا الانتقال القيادة الجديدة أمام تحدي الحفاظ على استمرارية المرجعية التي تأسست عليها الحركة، مع مواكبة التحولات الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في أنماط التدين والعمل المدني والأسري داخل المجتمع المغربي.

ولم تقتصر أشغال الجمع العام على انتخاب الرئيس، بل شملت أيضا استكمال عدد من المسؤوليات القيادية؛ إذ انتخب رشيد العدوني نائبا أولا للرئيس، وحنان الإدريسي نائبة ثانية، فيما صادق أعضاء الجمع العام على اختيار عبد الرحيم شيخي منسقا لمجلس الشورى، في إطار تشكيل هياكل المرحلة الجديدة.

وشهدت الأشغال كذلك المصادقة على مراجعة النموذج التنظيمي للحركة، إلى جانب إدخال تعديلات على قانونها الأساسي ونظامها الداخلي. ووفق المعطيات التي نشرها الموقع الرسمي للحركة، جاءت هذه المراجعة في سياق مسعى إلى ملاءمة بنيتها التنظيمية مع التحولات والمستجدات، بعدما ظلت الهيكلة المعتمدة منذ سنة 2006 خاضعة لتعديلات محدودة على مدى نحو عقدين. وتكتسب هذه الخطوة أهمية داخلية بالنظر إلى ارتباطها بطريقة توزيع المسؤوليات وتدبير العمل المركزي ومواكبة الامتدادات الجهوية والمحلية.

أما الجلسة الافتتاحية، التي انعقدت مساء الجمعة 23 أكتوبر، فقد جمعت قيادات الحركة وضيوفا من داخل المغرب وخارجه، من بينهم عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، والمفكر الإسلامي أحمد الريسوني، إلى جانب شخصيات دعوية وفكرية دولية. كما حضر وفد عن جماعة العدل والإحسان، في مشهد عكس حضور عدد من الفاعلين في الحقل الإسلامي المغربي، رغم اختلاف اختياراتهم التنظيمية والسياسية.

وطغى على افتتاح الجمع العام حضور القضية الفلسطينية في الشعارات والرموز التي رفعها المشاركون، حيث ظهرت الكوفيات والأعلام الفلسطينية والمغربية، ورددت شعارات رافضة للتطبيع ومؤكدة التضامن مع الفلسطينيين. وجاء ذلك منسجما مع الشعار الذي اختارته الحركة لهذه الدورة، والذي جمع بين الاستقامة في العمل الوطني والمقاومة في الدفاع عن القضايا التي تعتبرها مركزية.

وفي كلمته الافتتاحية، ركز أوس رمال على قضايا الهوية والأسرة والتحولات القيمية والتعليم والإصلاح الاجتماعي، فيما تناولت حنان الإدريسي التحديات التي تواجه الأسرة المغربية ودور المرأة في التربية والتكوين والتخطيط، إلى جانب التأكيد على التضامن مع المرأة الفلسطينية. كما برز ملف الأسرة ضمن القضايا التي خصصت لها الحركة اهتماما في خطابها، في ظل النقاش الوطني المتواصل حول مراجعة مدونة الأسرة والسياسات الاجتماعية المرتبطة بالزواج والاستقرار الأسري وحماية حقوق مختلف أفراد الأسرة.

ويعكس شعار الجمع العام ومحاور النقاش التي شهدتها جلساته تمسك الحركة بمرجعيتها الدعوية والتربوية، مع سعيها إلى تحديد موقعها في النقاش العمومي حول الأسرة والتعليم والقيم والإصلاح الاجتماعي. غير أن ترجمة هذه الأولويات إلى برامج عملية ستظل مرتبطة بالاختيارات التي ستعتمدها القيادة الجديدة، وبكيفية تدبير العلاقة بين العمل الدعوي والمشاركة في القضايا المجتمعية، فضلا عن طبيعة التنسيق مع حزب العدالة والتنمية الذي تربطه بالحركة علاقات فكرية وتاريخية، مع احتفاظ كل طرف بإطاره التنظيمي الخاص.

وتعد حركة التوحيد والإصلاح من أبرز التنظيمات الدعوية بالمغرب، وينعقد جمعها العام الوطني بصورة دورية كل أربع سنوات باعتباره أعلى هيئة تقريرية داخلها، تتولى تقييم المرحلة السابقة وتجديد المسؤوليات ومناقشة التوجهات العامة. ومن هذا المنطلق، لا يمثل انتخاب محمد لبراهمي مجرد تغيير في اسم رئيس الحركة، بل بداية ولاية تنظيمية جديدة ستختبر قدرة الهياكل المنتخبة على تنزيل المراجعات الداخلية، وتجديد أساليب التأطير والتواصل، والاستجابة للتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

ومع اختتام الاستحقاق الانتخابي الداخلي، تتجه الأنظار إلى الخطوات التي ستتخذها القيادة الجديدة لترجمة مقررات الجمع العام إلى برامج ومبادرات ملموسة، سواء على مستوى العمل الدعوي والتربوي أو في القضايا الاجتماعية التي حضرت بقوة في نقاشات المؤتمر. وستظل حصيلة الولاية الممتدة إلى سنة 2030 مرتبطة بمدى وضوح الأولويات، وفعالية التنظيم، وقدرة الحركة على الجمع بين استمرارية مرجعيتها وتجديد أدوات اشتغالها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى