طاكسيات فاس.. حين تتحول رخصة الثقة إلى قانون خاص فوق القانون

لم تعد سيارات الأجرة الصغيرة بمدينة فاس مجرد وسيلة للنقل الحضري يعول عليها المواطن للوصول إلى عمله أو منزله أو موعده، بل أصبحت، بالنسبة إلى شريحة واسعة من مستعمليها، عنواناً يومياً لمعاناة تتكرر تفاصيلها في الشوارع والمحطات ومختلف أحياء المدينة. فبين سائق يرفض الوجهة، وآخر يختار زبناءه وفق المسافة التي تناسبه، وثالث يتوقف في مكان غير مخصص لالتقاط زبون يعرفه، ورابع يقود بسرعة وبطريقة تثير القلق، يجد المواطن نفسه أمام خدمة يفترض أن تكون مؤطرة بقواعد واضحة، لكنها في بعض الحالات تبدو وكأنها تخضع لقانون خاص يضعه السائق بنفسه.
والحديث هنا لا يتعلق بالمهنيين الذين يؤدون عملهم باحترام وانضباط، وهم موجودون بلا شك، وإنما بممارسات أصبحت تتكرر بما يكفي لإعادة طرح سؤال جوهري: أين تنتهي حرية السائق في تدبير عمله، وأين تبدأ حقوق المواطن الذي يدفع مقابل خدمة نقل عمومية؟
لقد سبق لمخطط التنقلات الحضرية لمدينة فاس أن شخص، قبل سنوات، عدداً من الاختلالات التي يعرفها قطاع سيارات الأجرة، من بينها ضعف التنظيم وارتفاع مستوى عدم الانضباط والحاجة إلى مراقبة شروط الخدمة والنظافة وحالة السيارات والتعامل مع الزبناء، بل اقترح وضع نظام واضح يحدد حقوق المستعملين وشروط المركبات والسائقين وآليات المراقبة والعقوبات.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: ماذا تغير فعلياً؟
الزبون يدفع.. والسائق يقرر
من أكثر المظاهر التي تثير غضب الفاسيين مسألة انتقائية الزبناء والوجهات. فقد عادت خلال الفترة الأخيرة شكايات رفض نقل المواطنين إلى الواجهة، خصوصاً في محيط المحطات والنقط التي تعرف إقبالاً كبيراً.
وقد تناولت تقارير محلية بمدينة فاس حالات يرفض فيها بعض السائقين نقل الزبون إلى وجهة لا يرغبون فيها، أو يختارون الرحلات التي يرون أنها أكثر ملاءمة لهم من حيث المسافة والزمن. كما سبق أن أثيرت مسألة رفض نقل ثلاثة ركاب، رغم أن هذا السلوك لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرض شروط على المستعمل.
وهنا تصبح المعادلة مقلوبة تماماً: المواطن يقف في الشارع طالباً خدمة، لكنه يجد نفسه مطالباً أولاً بإقناع السائق بوجهته.
إذا كانت الرحلة قصيرة، قد يرفضها البعض. وإذا كانت المنطقة تعرف ازدحاماً، تصبح الوجهة غير مرغوب فيها. وإذا كان المسار لا يناسب حسابات السائق، يمكن ببساطة أن يقال للزبون: «ما غاديش لتمّا».
فهل تحولت سيارة الأجرة من خدمة عمومية منظمة إلى خدمة يختار فيها مقدم الخدمة زبونه ووجهته وفقاً لمصلحته الخاصة؟
التوقف لنقل زبون آخر.. والفوضى تصبح قاعدة
ومن أكثر المشاهد استفزازاً للمواطنين أن يستقل الزبون سيارة أجرة، ثم يفاجأ بالسائق يتوقف في الطريق لنقل شخص آخر، أو ينتظر شخصاً يعرفه، أو يغير مساره من أجل التقاط زبون إضافي، وكأن السيارة أصبحت ملكية خاصة للسائق وليست وسيلة نقل تخضع لشروط مهنية وتنظيمية.
المشكلة هنا ليست في مجرد توقف عابر تفرضه ظروف السير، وإنما في تحويل الرحلة إلى سلسلة من التوقفات والاختيارات التي لا علاقة لها بمصلحة الراكب الذي دفع ثمن الخدمة وينتظر الوصول إلى وجهته في ظروف عادية.
وهذا النوع من الممارسات يعيد إلى الواجهة ضرورة وجود مراقبة ميدانية حقيقية، لأن المواطن لا يملك في أغلب الأحيان سوى الاحتجاج الشفهي، بينما يفترض أن تكون هناك آليات واضحة وفعالة لتلقي الشكايات والتحقق منها وترتيب المسؤوليات.
رخصة الثقة ليست رخصة لفعل ما يشاء صاحبها
الأكثر إثارة للاستغراب أن مفهوم «رخصة الثقة» نفسه يفترض وجود شروط مرتبطة بممارسة المهنة، وليس مجرد وثيقة تسمح للسائق بالجلوس خلف المقود.
وفي سنة 2026 دخلت السلطات مساراً جديداً لإبدال رخص الثقة الورقية ببطاقات إلكترونية، في إطار رقمنة تدبير هذا المجال وتعزيز الحكامة والمراقبة، كما أن رخص الثقة الورقية أصبحت غير معتمدة ابتداء من فاتح يوليوز 2026 وفق المعطيات التي نشرتها السلطات بشأن العملية.
لكن الرقمنة وحدها لن تحل المشكلة إذا بقيت المراقبة اليومية ضعيفة.
فما قيمة بطاقة إلكترونية أكثر حداثة إذا ظل المواطن يواجه السلوك نفسه؟ وما جدوى تحديث الوثيقة إذا لم يرافق ذلك تقييم فعلي لسلوك السائق، وحالة السيارة، والنظافة، واحترام التعريفة، واحترام الزبون، والالتزام بقواعد السلامة؟
رخصة الثقة ينبغي أن تعني قبل كل شيء ثقة المواطن في الخدمة، لا مجرد ثقة الإدارة في وثيقة السائق.
السرعة والموسيقى والهاتف.. سلامة الراكب ليست تفصيلاً
هناك جانب آخر أكثر خطورة من سوء المعاملة أو رفض الوجهات، يتعلق بالسلامة.
فبعض مستعملي سيارات الأجرة يشتكون من القيادة المتهورة، والسرعة المفاجئة، والمناورات غير المريحة، واستعمال الهاتف أثناء السياقة، فضلاً عن تشغيل الموسيقى بصوت مرتفع داخل السيارة، وكأن السائق وحده هو صاحب الحق في تحديد طبيعة الرحلة وأجوائها.
الراكب ليس ضيفاً في سيارة خاصة، بل مستعمل لخدمة يؤدي مقابلها أجراً، ومن أبسط حقوقه أن يجد نفسه داخل مركبة يقودها شخص يتعامل مع سلامته باعتبارها أولوية.
ولا يمكن أن تكون الحاجة إلى الربح أو ضغط العمل مبرراً لتعريض حياة الركاب للخطر.
وقد سبق أن أثيرت على المستوى الوطني موضوعات مرتبطة بتجاوز السرعة وقواعد السلامة وفعالية رخصة الثقة، كما طرحت داخل البرلمان أسئلة حول الحاجة إلى تشديد تطبيق القواعد المنظمة للقطاع وحماية مستعملي سيارات الأجرة.
النظافة.. الراكب يدخل سيارة أم يدخل مستودعاً متحركاً؟
ثم نصل إلى ملف آخر يبدو بسيطاً لكنه في الحقيقة مرتبط بصورة المدينة وبكرامة المواطن: النظافة.
بعض سيارات الأجرة تحتاج إلى مراقبة حقيقية لحالتها الداخلية والخارجية؛ مقاعد متسخة، أرضيات لا تبدو وكأنها خضعت لتنظيف منتظم، روائح غير مريحة، نوافذ وأجزاء داخلية تحتاج إلى عناية، وأحياناً حالة عامة توحي بأن السيارة تعمل لساعات طويلة من دون أن تحصل على الحد الأدنى من التنظيف.
والأمر لا يتوقف عند السيارة.
فالنظافة الشخصية والمظهر العام للسائق جزء من جودة الخدمة، خصوصاً أن السائق يتعامل يومياً مع عشرات المواطنين، ويقدم خدمة ترتبط مباشرة بالراحة والثقة والانطباع عن المدينة.
لا أحد يطالب السائق بارتداء ملابس فاخرة، لكن من حق الراكب أن يجد أمامه مهنياً يحترم طبيعة عمله ويحافظ على مظهر نظيف ولائق، كما من حقه أن يدخل سيارة نظيفة لا تنبعث منها روائح مزعجة.
وهنا لا بد من سؤال الجهات المكلفة بالمراقبة: متى كانت آخر مرة خضعت فيها سيارات الأجرة الصغيرة بفاس لمراقبة شاملة لا تقتصر على الوثائق، وإنما تشمل النظافة، وحالة المقاعد، والأحزمة، والإطارات، والإضاءة، والمظهر العام، والتجهيزات الداخلية؟
فوضى أمام المحطات.. وواجهة المدينة تدفع الثمن
تزداد المشكلة حدة أمام المحطات والنقط التي يستعملها الزوار، وعلى رأسها محيط محطة القطار، التي يفترض أن تكون إحدى أهم واجهات فاس أمام القادمين إليها.
وقد سبق أن سلطت تقارير حديثة الضوء على مظاهر الفوضى المرتبطة بسيارات الأجرة الصغيرة في محيط محطة القطار، بما فيها رفض الوجهات وانتقائية الزبناء وغياب الرقابة الفعالة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالمواطن الفاسي.
فالسائح الذي يصل إلى فاس لا يعرف تفاصيل المدينة ولا أحياءها ولا طبيعة خطوطها، وأول احتكاك له بالنقل الحضري يمكن أن يصبح جزءاً من الصورة التي يحملها عن المدينة بأكملها.
كيف يمكن الحديث عن مدينة تستعد لاستقبال المزيد من الزوار والاستحقاقات الدولية، بينما يواجه الزائر عند بعض نقاط الوصول مشهداً لا ينسجم مع صورة المدينة التي تريد تقديم نفسها كوجهة سياحية عالمية؟
المشكلة ليست في السائق وحده
ومع ذلك، فإن تحميل السائق وحده مسؤولية الأزمة سيكون تبسيطاً غير عادل.
فالمهنيون أنفسهم يواجهون مشاكل حقيقية مرتبطة بتكاليف الاستغلال والضمان الاجتماعي وتنظيم القطاع والمنافسة مع النقل عبر التطبيقات وغيرها من الملفات، وقد عبر مهنيون في فاس خلال الأسابيع الأخيرة عن احتقان بشأن عدد من هذه القضايا وطالبوا السلطات بالتدخل لمعالجة الملفات العالقة.
كما أن بعض مشاكل محطات سيارات الأجرة نفسها مرتبطة بضعف التجهيزات والإنارة والنظافة والمرافق، وهي اختلالات تؤثر أيضاً على ظروف اشتغال السائقين وجودة الخدمة المقدمة للمواطنين.
لكن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية للسائقين شيء، والسماح بتجاوز حقوق الزبون شيء آخر.
السائق له حقوق، والزبون له حقوق، والدولة والسلطات المحلية مسؤولة عن خلق التوازن بين الطرفين.
أين المراقبة؟
السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس فقط: لماذا يتصرف بعض السائقين بهذه الطريقة؟
بل: أين هي آليات المراقبة؟
إذا كان رفض نقل المواطنين يتكرر، فلماذا لا تكون هناك آلية سهلة وفعالة لتقديم الشكايات؟
إذا كانت هناك سيارات غير نظيفة، لماذا لا يتم إخضاعها لمراقبة دورية حقيقية؟
إذا كان بعض السائقين يقودون بطريقة خطيرة، لماذا لا تكون هناك مراقبة صارمة وربط واضح بين المخالفات والاستمرار في الاستفادة من رخصة الثقة؟
إذا كانت بعض السيارات تتوقف بشكل عشوائي أمام المحطات، فمن المسؤول عن تنظيم هذه الفضاءات؟
وإذا كانت القواعد موجودة، فلماذا يشعر المواطن في كثير من الأحيان بأنها لا تطبق؟
المشكلة ليست في غياب النصوص دائماً، وإنما في فجوة التنفيذ والمراقبة والمساءلة.
فاس تحتاج إلى إصلاح حقيقي لقطاع الطاكسيات
مدينة فاس لا تحتاج إلى حملة مؤقتة ضد سيارات الأجرة الصغيرة تنتهي بعد أيام، وإنما إلى إصلاح فعلي يجعل المواطن في قلب الخدمة.
الإصلاح يبدأ بإعادة ضبط العلاقة بين رخصة الثقة والسلوك المهني، ووضع نظام واضح لتقييم السائقين، وتشديد المراقبة على النظافة وحالة السيارات، وربط المخالفات المتكررة بإجراءات تأديبية واضحة، وتنظيم محطات سيارات الأجرة، وتوفير آلية رقمية أو هاتفية فعالة للشكايات، مع تمكين المواطن من معرفة الجهة التي يمكنه اللجوء إليها عندما يتعرض لرفض أو إساءة أو استغلال.
كما ينبغي أن تكون هناك مراقبة فعلية للسائقين الجدد والقدامى، لأن الخبرة وحدها لا تعني بالضرورة جودة الخدمة، كما أن الحصول على رخصة الثقة لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة مهنية.
والأهم أن الإصلاح يجب أن يكون متوازناً: حماية المهني المنضبط من المنافسة غير المشروعة، وفي الوقت نفسه حماية المواطن من السلوكيات التي تسيء إلى المهنة.
الطاكسي جزء من صورة فاس
في النهاية، لا يمكن فصل أزمة سيارات الأجرة الصغيرة عن أزمة أوسع تتعلق بثقافة الخدمة العمومية داخل المدينة.
فالطاكسي ليس مجرد سيارة ومحرك وعداد، بل واجهة يومية للمدينة. وكل رحلة هي احتكاك مباشر بين فاس والمواطن والزائر.
ومن غير المقبول أن يشعر الراكب بأنه مطالب بالتفاوض على حقه في الوصول إلى وجهته، أو أن يخضع لشروط السائق، أو يتحمل موسيقى صاخبة، أو سيارة متسخة، أو قيادة متهورة، أو توقفات غير مبررة، ثم يغادر المركبة وهو يشعر بأنه هو الطرف الذي كان عليه أن يرضي مقدم الخدمة.
فاس تستحق طاكسيات تحترم المواطن، وسائقين يحترمون مهنتهم، ومراقبة تحترم القانون.
أما استمرار الفوضى، وترك بعض السائقين يفرضون «قانونهم الخاص» على الركاب، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة في هذا القطاع، ولن يكون المتضرر الوحيد هو المواطن، بل ستكون صورة فاس نفسها هي التي تدفع الثمن.
والرسالة هنا ليست ضد سائقي سيارات الأجرة، وإنما ضد كل ممارسة تسيء إلى المهنة، وضد كل تقصير في المراقبة يسمح لهذه الممارسات بالاستمرار. فالمهني المحترم يستحق الحماية، والمواطن يستحق خدمة محترمة، والمدينة تستحق قطاع نقل يليق بمكانتها.






