سياسة

المجالس الوطنية للأحزاب ترسم ملامح الحكومة المقبلة.. الاستقلال والأحرار يحسمان المشاركة و«البام» يفوض المنصوري مواصلة المشاورات وسط خلافات بشأن التحالفات

شهدت الساحة السياسية المغربية، السبت 3 أكتوبر 2026، حركية تنظيمية وسياسية لافتة، تزامناً مع انعقاد المجالس الوطنية لعدد من الأحزاب التي تصدرت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، في محطة تروم تحديد مواقفها من المرحلة السياسية الجديدة، وتدبير موقعها في المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة المقبلة التي تقودها رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، وذلك في سياق يتسم بترقب واسع بشأن طبيعة الأغلبية الحكومية والتحالفات التي ستؤطر الولاية التشريعية الجديدة.

وعقدت أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، إلى جانب الحركة الشعبية، دورات لمجالسها الوطنية، شكلت مناسبة لتقييم نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، ومناقشة رهانات المرحلة المقبلة، حيث أفرزت هذه الاجتماعات قرارات تنظيمية وسياسية متفاوتة، بين أحزاب حسمت استعدادها للمشاركة في الحكومة، وأخرى اختارت تفويض قياداتها لمواصلة المشاورات، في وقت لا تزال فيه الصورة النهائية للتحالف الحكومي غير مكتملة.

وتأتي هذه التطورات في أعقاب تعيين الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعداً بمجلس النواب، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، وهي نتائج وضعت الأحزاب الثلاثة في صدارة المشهد البرلماني، وجعلت من مواقفها عاملاً أساسياً في تحديد شكل الأغلبية المقبلة.

«البام» يفوض المنصوري مواصلة المشاورات وسط نقاش بشأن التحالفات

وشكلت الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، المنعقدة بقصر المؤتمرات بالصخيرات، محطة تنظيمية بارزة، بالنظر إلى موقع الحزب في قيادة المرحلة الحكومية المقبلة، حيث قرر المجلس تفويض لجنة المشاورات، التي تضم فاطمة الزهراء المنصوري وعبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع وأحمد أخشيشن، مواصلة المفاوضات مع مختلف الأحزاب السياسية، بهدف الوصول إلى التوافقات الضرورية لتشكيل الأغلبية الحكومية.

ورغم حدة النقاش الذي رافق بعض جوانب الدورة، فإن المخرج التنظيمي المعلن تمثل في تفويض لجنة المشاورات مواصلة الاتصالات والمفاوضات، دون أن يشكل ذلك إعلاناً نهائياً عن التركيبة الحزبية للأغلبية المقبلة، أو حسمًا رسمياً في هوية جميع الأحزاب التي ستشارك في الحكومة.

الاستقلال يحسم المشاركة والأحرار يفوضون شوكي

وفي المقابل، خرج المجلس الوطني لحزب الاستقلال، المنعقد بمدينة سلا، بقرار الموافقة بالإجماع على مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، مع تفويض الأمين العام نزار بركة واللجنة التنفيذية مواصلة المشاورات والمفاوضات مع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، بما يضمن الدفاع عن أولويات الحزب وبرنامجه الانتخابي، وترجمة التزاماته الاجتماعية والاقتصادية إلى إجراءات حكومية.

ويعكس هذا القرار رغبة حزب الاستقلال في الحفاظ على موقعه داخل الأغلبية الحكومية، غير أن الموافقة على المشاركة لا تعني حسم تفاصيل التحالف أو الاتفاق على توزيع الحقائب الوزارية، إذ تظل هذه القضايا مرتبطة بنتائج المفاوضات السياسية المقبلة، وبمدى التوافق بشأن البرنامج الحكومي والأولويات التي ستؤطر عمل الأغلبية الجديدة.

وشدد شوكي، خلال تقديم التقرير السياسي، على أن خدمة الوطن لا ترتبط حصرياً بالوجود داخل الحكومة، مؤكداً استعداد حزبه لمواصلة الإسهام في الحياة السياسية والمؤسساتية، بعيداً عن الحسابات الضيقة والشروط المسبقة، مع التشديد على أهمية الاستقرار المؤسساتي ومواصلة الإصلاحات، وهو موقف يترك الباب مفتوحاً أمام مختلف الاحتمالات بشأن تموقع الحزب في المرحلة المقبلة.

ومن جهتها، اختارت الحركة الشعبية تفويض أمينها العام محمد أوزين مواصلة المشاورات السياسية واتخاذ القرار الملائم بشأن مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، وذلك خلال الدورة الاستثنائية لمجلسها الوطني التي انعقدت يوم السبت، وخصصت لتقييم نتائج الانتخابات التشريعية واستقراء دلالاتها السياسية والتنظيمية، إلى جانب مناقشة مخرجات الاتصالات الأولية المتعلقة بتشكيل الأغلبية.

وأكد المجلس الوطني للحزب أن أي تموقع سياسي ينبغي أن يتيح للحركة الشعبية ممارسة دور مؤثر وفاعل داخل المؤسسات، والدفاع عن قضايا المواطنين، مع مراعاة المصلحة العليا للوطن وثوابت الحزب ومبادئه، وهو ما يعني أن الحركة لم تحسم بشكل نهائي في دخول الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة، وتركت للقيادة الحزبية صلاحية مواصلة التفاوض وتحديد الموقف وفق تطورات المشاورات.

وعلى الرغم من القرارات التي أفرزتها المجالس الوطنية للأحزاب الأربعة، فإن المشهد السياسي لا يزال مفتوحاً على عدة سيناريوهات، إذ إن إعلان الاستقلال والأحرار استعدادهما للمشاركة، وتفويض الأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية قيادتيهما لمواصلة المشاورات، لا يشكل في حد ذاته اتفاقاً نهائياً بشأن مكونات الأغلبية الحكومية، ولا يكشف عن الصيغة النهائية التي ستعتمدها فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل حكومتها.

وفي هذا السياق، لا توجد إلى حدود الآن تركيبة حكومية معلنة بشكل رسمي، كما لم يتم الكشف عن توزيع الحقائب الوزارية أو أسماء المرشحين للاستوزار، في ظل استمرار المفاوضات السياسية بين مختلف الأطراف، وهو ما يجعل الحديث عن حسم التحالفات أو استبعاد أحزاب بعينها سابقاً لأوانه، ما دامت القرارات التنظيمية المعلنة تركز أساساً على تفويض القيادات ومواصلة التفاوض.

وقد أثار تصريح نزار بركة بشأن وجود توجه داخل حزب الأصالة والمعاصرة لرفض مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الحكومة المقبلة نقاشاً سياسياً واسعاً، قبل أن يعود الأمين العام لحزب الاستقلال لتوضيح أن المعلومة التي توصل بها لم تكن مؤكدة، مقدماً اعتذاره عن نقلها، وهو تطور يعزز ضرورة التمييز بين المواقف الرسمية الصادرة عن المؤسسات الحزبية، والتسريبات أو المعطيات غير المؤكدة المتداولة في الكواليس السياسية.

وبناءً على ذلك، فإن ما يروج بشأن التحالفات المحتملة، سواء تعلق الأمر باستمرار مشاركة التجمع الوطني للأحرار في الأغلبية أو إمكانية تشكيل تحالفات بديلة، يظل في جزء كبير منه آراء وتحليلات وقراءات سياسية، لا ترقى إلى مستوى القرارات الرسمية ما لم تعلن عنها الجهات المخولة بذلك، خاصة أن المفاوضات لا تزال في بدايتها، وأن المواقف التي أفرزتها المجالس الوطنية تمنح القيادات هامشاً واسعاً للمناورة والتفاوض.

الأيام المقبلة قد تكشف ملامح الأغلبية الجديدة

ومن المرتقب أن تحمل الأيام المقبلة مؤشرات أوضح بشأن مستقبل التحالفات الحزبية، خصوصاً مع شروع رئيسة الحكومة المعينة في مواصلة المشاورات مع مختلف التنظيمات السياسية، وانتقال المفاوضات من مرحلة تبادل وجهات النظر إلى البحث عن أرضية مشتركة بشأن البرنامج الحكومي، والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وطبيعة المسؤوليات التي ستتحملها مكونات الأغلبية المرتقبة.

كما أن نتائج الانتخابات التشريعية، وما أفرزته من تقارب نسبي في عدد المقاعد بين الأحزاب الثلاثة الأولى، ستفرض على الأطراف المعنية البحث عن صيغة توافقية قادرة على ضمان أغلبية برلمانية مستقرة، وتمكين الحكومة المقبلة من تنفيذ برنامجها ومواجهة التحديات المطروحة، لاسيما في ما يتعلق بالتشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية، ومواصلة الأوراش التنموية الكبرى والاستعداد للاستحقاقات الوطنية المقبلة.

وتبقى المرحلة الحالية مرحلة تفاوض سياسي ومؤسساتي، تتطلب التريث في إصدار الأحكام بشأن شكل الحكومة المقبلة أو الجزم بهوية الأحزاب المشاركة فيها، في انتظار ما ستسفر عنه اللقاءات المقبلة من توافقات وقرارات رسمية، خاصة أن تفويض المجالس الوطنية لقياداتها يمنحها صلاحية تدبير المفاوضات وفق تطوراتها، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع الخيارات قد حسمت.

وبين مواقف المشاركة المعلنة والتفويضات التنظيمية والنقاشات الداخلية، تظل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في طور التشكل السياسي، على أن تكشف الأيام المقبلة عن ملامح التحالفات الفعلية، ومدى قدرة الأحزاب على تجاوز خلافاتها وبناء أغلبية منسجمة، بعيداً عن التكهنات والتسريبات التي لا تستند إلى قرارات رسمية معلنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى