الصحراء المغربية أمام مجلس الأمن في أكتوبر.. المغرب يعزز مكاسبه الدبلوماسية والحكم الذاتي في صلب المسار الأممي وسط تحديات إقليمية وعرقلة جزائرية

يعود ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن الدولي خلال شهر أكتوبر الجاري، في محطة دبلوماسية جديدة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، في ظل التحولات التي يعرفها الموقف الدولي من مبادرة الحكم الذاتي، وتزايد الدعم الدولي للمقترح المغربي باعتباره أساساً لتسوية سياسية للنزاع الإقليمي، بالتوازي مع الجهود التي تبذلها المملكة من أجل ترسيخ استقرار المنطقة وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، في مقابل استمرار الخلافات الإقليمية التي تعرقل التوصل إلى حل نهائي تحت إشراف الأمم المتحدة.
ووفق البرنامج المؤقت لمجلس الأمن لشهر أكتوبر، يتضمن جدول أعمال المجلس ثلاث محطات أساسية مرتبطة ببعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية، المعروفة اختصاراً بـ”المينورسو”، حيث يرتقب عقد اجتماع للدول المساهمة بقوات في البعثة يوم 7 أكتوبر، تليه مشاورات مغلقة يوم 8 أكتوبر لمناقشة تطورات الملف، قبل أن يتجه المجلس، وفق الجدول الحالي، إلى التصويت يوم 30 أكتوبر على قرار جديد بشأن تمديد ولاية البعثة، التي تنتهي في 31 من الشهر ذاته، مع إمكانية تعديل البرنامج بحسب تطورات المشاورات.
وتأتي هذه المحطات في سياق دبلوماسي يتسم بتعزيز الحضور المغربي على مستوى المنتظم الدولي، بفضل التحركات التي تقودها المملكة تحت قيادة الملك محمد السادس، والتي جعلت من مبادرة الحكم الذاتي إطاراً عملياً لتسوية سياسية تحافظ على الوحدة الترابية للمغرب، وتوفر في الوقت نفسه ضمانات لتدبير الشؤون المحلية في إطار السيادة المغربية، بعيداً عن الأطروحات الانفصالية التي لم تتمكن، على مدى عقود، من إنهاء النزاع أو تحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة.
الحكم الذاتي.. محور التحرك المغربي والدعم الدولي
ويستند المغرب في تحركه الدبلوماسي إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها سنة 2007، باعتبارها مقترحاً يرمي إلى إيجاد حل سياسي واقعي ودائم للنزاع، في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، مع تمكين سكان الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية وممارسة اختصاصات واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية، وفق تصور يراعي خصوصيات المنطقة ويستجيب لمتطلبات التنمية والاستقرار.
وقد رافق هذا التوجه عمل دبلوماسي متواصل، شمل توسيع شبكة الشراكات الدولية، وتعزيز العلاقات الثنائية مع عدد من الدول، إلى جانب إقناع شركاء المملكة بأهمية اعتماد مقاربة سياسية تضع التنمية والاستقرار والتعاون الإقليمي في صلب أي تسوية مقبلة، وهو ما انعكس في تنامي مواقف دولية داعمة للمبادرة المغربية، سواء من خلال الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، أو اعتبار الحكم الذاتي أساساً جدياً وذا مصداقية لتسوية النزاع.
وفي هذا السياق، يواصل المغرب إبراز التحولات التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، من خلال مشاريع البنيات التحتية والطرق والموانئ والطاقة والاستثمار، فضلاً عن البرامج الرامية إلى تحسين الخدمات الاجتماعية وتوسيع فرص الشغل، في إطار النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، الذي يشكل أحد مرتكزات المقاربة المغربية القائمة على الربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يقتصر التحرك المغربي على الجانب السياسي، بل يمتد إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والانفتاح على العمق الإفريقي، بما يرسخ مكانة الأقاليم الجنوبية باعتبارها فضاءً استراتيجياً للتبادل التجاري والاستثمار والربط بين المغرب وبلدان الساحل وغرب إفريقيا، وهو توجه ينسجم مع الرؤية المغربية الرامية إلى جعل الاستقرار والتنمية مدخلاً لتجاوز التوترات الإقليمية وبناء شراكات مستدامة.
مجلس الأمن أمام استحقاق جديد بعد القرار 2797
وتكتسي اجتماعات أكتوبر أهمية إضافية لكونها تأتي بعد اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي مدد ولاية بعثة المينورسو لمدة سنة، وشكل محطة جديدة في مسار البحث عن تسوية سياسية للنزاع، من خلال إبراز مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه، في إطار الأمم المتحدة.
وقد أعاد القرار النقاش بشأن مستقبل العملية السياسية إلى صدارة الاهتمام الدولي، في وقت تتواصل فيه جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، من أجل تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، وإيجاد أرضية مشتركة تسمح بإعادة إطلاق المفاوضات على أساس قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
ويترقب المغرب أن تفضي المشاورات المرتبطة بالقرار الجديد إلى الحفاظ على الدينامية السياسية التي أفرزتها القرارات الأممية الأخيرة، مع مواصلة الدفع نحو حل واقعي وقابل للتطبيق، يراعي المعطيات السياسية والإقليمية، ويضع حداً لنزاع طال أمده، وألقى بظلاله على مسار الاندماج المغاربي وفرص التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.
وفي المقابل، تظل المواقف المتباينة للأطراف المعنية أحد أبرز التحديات التي تواجه الوساطة الأممية، خاصة في ظل استمرار رفض الجزائر الانخراط في مسار سياسي تعتبره الرباط ضرورياً للتوصل إلى تسوية نهائية، بالنظر إلى دورها المحوري في النزاع ودعمها لجبهة البوليساريو، وهو ما يجعل التوصل إلى توافق سياسي رهيناً بتوفر إرادة إقليمية حقيقية لتجاوز الخلافات والانخراط البناء في جهود الأمم المتحدة.
الجزائر والعرقلة الإقليمية للمسار الأممي
ويشكل استمرار الخلاف المغربي الجزائري أحد أبرز العوامل التي تحول دون تحقيق تقدم حاسم في ملف الصحراء المغربية، إذ يعتبر المغرب أن الجزائر طرف أساسي في النزاع، بالنظر إلى دعمها السياسي والدبلوماسي والعسكري لجبهة البوليساريو، بينما تتمسك الجزائر بموقفها المعلن القائم على اعتبار نفسها غير معنية مباشرة بالنزاع، وتدعو إلى معالجة الملف في إطار ما تصفه بتصفية الاستعمار وحق تقرير المصير.
ويؤكد المغرب أن حصر النزاع في العلاقة بين المملكة وجبهة البوليساريو يتجاهل المعطيات الإقليمية المرتبطة به، ويحد من فرص إنجاح المساعي الأممية، خاصة أن أي تقدم سياسي يظل مرتبطاً بانخراط الأطراف المعنية في حوار جاد ومسؤول، بعيداً عن المواقف المسبقة والحسابات الإقليمية التي ساهمت في إطالة أمد هذا الخلاف.
وتبرز هذه التباينات في ظل تعثر الجهود الرامية إلى إعادة إحياء الموائد المستديرة التي سبق للأمم المتحدة أن رعتها بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، وهي الصيغة التي شكلت إطاراً للحوار المباشر قبل أن تتوقف اجتماعاتها، ما أضعف فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية وأبقى المنطقة أمام وضع إقليمي يتسم بالتوتر وغياب الثقة.
ومن وجهة النظر المغربية، فإن استمرار الجزائر في رفض المشاركة في مفاوضات مباشرة وذات مضمون سياسي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي، يشكل عائقاً أمام الجهود الرامية إلى إيجاد حل توافقي، خصوصاً في ظل الدعوات الأممية المتكررة إلى تعاون الأطراف المعنية وتوفير الظروف الملائمة لإنجاح المسار السياسي. ويؤكد المغرب، في هذا الإطار، استعداده لمواصلة الانخراط في العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، مع التشبث بثوابته الوطنية ومبادئ سيادته ووحدته الترابية.
دعم دولي متنامٍ ومبادرة مغربية تحظى باهتمام الشركاء
وعلى المستوى الدولي، يواصل المغرب تعزيز مواقفه من خلال علاقاته مع شركائه الاستراتيجيين، مستفيداً من الدعم الذي عبرت عنه مجموعة من الدول لمبادرة الحكم الذاتي، ومن التحولات التي شهدتها مواقف عدد من العواصم المؤثرة في التعاطي مع النزاع، حيث بات المقترح المغربي يحظى بمكانة مركزية في النقاشات المتعلقة بإيجاد تسوية سياسية قابلة للتطبيق.
وتحتل الولايات المتحدة موقعاً مهماً في هذا المسار، بالنظر إلى اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً للتفاوض، فضلاً عن انخراطها في جهود الوساطة الرامية إلى جمع الأطراف المعنية حول طاولة الحوار. كما يواصل المغرب تعزيز علاقاته مع الدول الأوروبية والإفريقية والعربية، في إطار مقاربة دبلوماسية ترتكز على الشراكة والتعاون واحترام الوحدة الترابية للمملكة.
ويشكل الموقف الفرنسي بدوره أحد التحولات البارزة في مسار القضية، بعد إعلان باريس دعمها لسيادة المغرب على صحرائه واعتبارها أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية، مع التأكيد على أهمية مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم. كما تواصل المملكة تعزيز شراكاتها الإفريقية، مستندة إلى علاقات التعاون الاقتصادي والاستثماري ومبادرات التنمية المشتركة.
ويعكس هذا الحضور الدبلوماسي المغربي توجهاً يرمي إلى توسيع قاعدة الدعم الدولي للمبادرة المغربية، دون إغفال الدور المركزي للأمم المتحدة في رعاية العملية السياسية، حيث يظل الهدف المعلن للمملكة هو التوصل إلى حل سياسي نهائي يضمن سيادتها ووحدتها الترابية، ويتيح في الوقت ذاته تعزيز الاستقرار والتعاون الإقليميين.
الوساطة الأمريكية بين تحريك المفاوضات وتباين المواقف
وتأتي اجتماعات مجلس الأمن في ظل استمرار التحركات الأمريكية الرامية إلى إعادة إطلاق المفاوضات، خصوصاً بعد الجولات والاتصالات التي شهدتها الأشهر الماضية، والتي شارك فيها ممثلون عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، في إطار مساعٍ ترمي إلى تهيئة الظروف لاستئناف الحوار السياسي، بدعم من واشنطن وبمشاركة أممية.
وفي هذا السياق، أثارت تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، خلال مقابلة إعلامية أواخر شتنبر، نقاشاً بشأن آفاق الوساطة الأمريكية، بعدما أشار إلى أن الجولات الأخيرة لم تفض إلى اتفاق نهائي، وأن التوصل إلى تسوية لا يزال يتطلب مزيداً من الجهود والاتصالات بين الأطراف المعنية.
وتعكس هذه التصريحات استمرار التحديات التي تواجه المساعي الدبلوماسية، في ظل التباعد القائم بين المواقف الأساسية للأطراف، لكنها لا تشكل، في حد ذاتها، إعلاناً عن تغيير رسمي في الموقف الأمريكي الداعم للسيادة المغربية على الصحراء، أو تراجعاً عن اعتبار الحكم الذاتي أساساً للتفاوض، وهو ما يظل من المعطيات الرئيسية التي تؤطر التحرك الأمريكي في هذا الملف.
ويظل نجاح الوساطة رهيناً بمدى استعداد الأطراف للانتقال من تبادل المواقف إلى مناقشة المقترحات السياسية بصورة عملية، بما يتيح بناء تفاهمات تدريجية تحت إشراف الأمم المتحدة، ويحد من تأثير الخلافات الثنائية والتوترات الإقليمية على مستقبل التسوية.
المينورسو والقرار المرتقب.. اختبار جديد للدينامية الأممية
ومن المنتظر أن تشكل الإحاطات التي سيقدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، خلال اجتماعات أكتوبر، فرصة أمام أعضاء مجلس الأمن للاطلاع على آخر تطورات الملف، وتقييم نتائج الاتصالات والتحركات الدبلوماسية، فضلاً عن الوقوف على الوضع الميداني والمهام التي تضطلع بها بعثة المينورسو في الصحراء.
وسيكون القرار المرتقب بشأن تمديد ولاية البعثة محطة مهمة لتحديد توجه مجلس الأمن خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط من حيث استمرار عمل المينورسو، وإنما أيضاً من حيث المرجعيات السياسية التي ستؤطر جهود الوساطة الأممية، ومدى قدرة المجلس على الحفاظ على الزخم الذي أفرزته القرارات السابقة.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه المغرب التأكيد على تعاونه مع الأمم المتحدة، وعلى أهمية توفير الظروف السياسية والميدانية اللازمة لعمل البعثة، مع التشديد على أن دورها ينبغي أن يظل منسجماً مع ولايتها الأممية، وأن يسهم في دعم الاستقرار وتهيئة الأجواء الملائمة لاستئناف المسار السياسي.
وفي المقابل، تظل التحديات المرتبطة بتباين المواقف الإقليمية وغياب الثقة بين الأطراف عاملاً مؤثراً في مسار المفاوضات، ما يضع مجلس الأمن أمام مسؤولية مواصلة تشجيع الحوار الجاد، وتفادي العودة إلى مقاربات لم تتمكن خلال العقود الماضية من وضع حد للنزاع.
المغرب يربط التسوية السياسية بالتنمية والاستقرار الإقليمي
وبموازاة التحرك الدبلوماسي، يواصل المغرب الاستثمار في تنمية أقاليمه الجنوبية، من خلال مشاريع استراتيجية تشمل البنيات التحتية والنقل والطاقة والموانئ والقطاعات الاجتماعية، في إطار رؤية ترمي إلى تعزيز جاذبية المنطقة اقتصادياً، وتحسين ظروف عيش السكان، وتوسيع آفاق الاستثمار والتشغيل.
وتندرج هذه المشاريع ضمن تصور مغربي يعتبر أن التنمية المستدامة تشكل رافعة أساسية لترسيخ الاستقرار وتعزيز الاندماج الاقتصادي، كما تسهم في إبراز الإمكانات التي تتوفر عليها الأقاليم الجنوبية باعتبارها بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، ومجالاً للتعاون التجاري والاقتصادي بين بلدان القارة.
ويرى المغرب أن الحل السياسي للنزاع ينبغي أن يفتح آفاقاً جديدة أمام التعاون المغاربي، بما يسمح بتجاوز حالة الجمود التي تعيشها المنطقة، والاستفادة من مؤهلاتها الاقتصادية والبشرية، وتعزيز التنسيق في مواجهة التحديات الأمنية والتنموية المشتركة، خاصة في منطقة الساحل والصحراء.
وبينما تتجه أنظار المنتظم الدولي إلى اجتماعات أكتوبر، يتمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحاً سياسياً يضع حداً للنزاع في إطار السيادة الوطنية، ويؤكد استعداده لمواصلة التعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين، في وقت يبقى فيه تجاوز الخلافات الإقليمية، وفي مقدمتها الخلاف المغربي الجزائري، عاملاً أساسياً في تهيئة الظروف الضرورية لإنجاح المسار الأممي والتوصل إلى تسوية سياسية نهائية ودائمة.






