مجتمع

الحديقة اللاتينية بفاس تغرق في الأزبال والظلام.. فضاء أخضر بوسط المدينة يتحول إلى مصدر استياء الساكنة والزوار وسط تساؤلات حول دور الجماعة

تعيش الحديقة اللاتينية، الواقعة بقلب مدينة فاس، على وقع تدهور ملحوظ في بنيتها وتجهيزاتها ومرافقها، في مشهد يثير استياء الساكنة والزوار، بعدما تحولت هذه المساحة الخضراء التي يفترض أن تشكل متنفساً حضرياً لساكنة وسط المدينة إلى فضاء تطغى عليه مظاهر الإهمال، من انتشار الأزبال وتراكم النفايات، إلى انطفاء الإنارة العمومية وتخريب الكراسي والحاويات، فضلاً عن مظاهر الفوضى والضجيج التي باتت تؤثر على راحة مرتاديها، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى اضطلاع الجهات المسؤولة بواجبها في صيانة هذا المرفق العمومي والحفاظ على جاذبيته.

وتكشف الوضعية التي يصفها مرتادو الحديقة عن اختلالات تتجاوز مجرد أعطاب عابرة في بعض التجهيزات، لتطرح إشكالية العناية بالفضاءات الخضراء داخل العاصمة العلمية، حيث باتت الحديقة اللاتينية، التي تشكل إحدى المساحات القليلة المتاحة للتنزه والاستراحة بوسط المدينة، في حاجة ملحة إلى تدخل يعيد إليها رونقها ويضمن شروط النظافة والأمن والراحة، بعدما أصبحت مظاهر التدهور تسيء إلى صورة الفضاء وإلى المحيط الحضري الذي يحتضنه.

ولا تقف مظاهر الإهمال عند حدود الإنارة، إذ تعرضت مجموعة من الكراسي للتكسير والتخريب، فيما طالت الحالة ذاتها الحاويات المخصصة لجمع النفايات، التي يفترض أن تسهم في الحفاظ على نظافة المكان، لتتحول أجزاء من الحديقة إلى نقاط لتراكم الأزبال والمخلفات، في مشهد يتنافى مع الوظيفة البيئية والجمالية لهذا المرفق، ويطرح تساؤلات حول غياب الصيانة الدورية والمراقبة المستمرة، ومدى نجاعة التدخلات الرامية إلى حماية التجهيزات العمومية من التلف والتخريب.

وتزداد الصورة قتامة مع ما يصفه الزوار بانتشار الأزبال في عدد من جنبات الحديقة، في ظل وضعية تثير الاستياء، خصوصاً أن الأمر يتعلق بفضاء يستقطب العائلات والأطفال ومختلف الفئات العمرية، ويشكل متنفساً ضرورياً في قلب مدينة تعرف كثافة عمرانية وحركية يومية، ما يجعل الحفاظ على نظافته وتجهيزاته مسؤولية لا تقبل التأجيل، بالنظر إلى دوره في تحسين جودة الحياة الحضرية وتوفير فضاءات للاستراحة والترفيه.

وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الحديقة اللاتينية فضاءً للهدوء والاستجمام، باتت بعض الممارسات المرتبطة باستغلال فضاءات ألعاب الأطفال تثير بدورها انزعاج الزوار، لاسيما مع انتشار سيارات اللعب التي يجري استعمالها وسط الحديقة بشكل يثير، بحسب شكايات مرتادين، الضجيج والفوضى، ويؤثر على راحة الأسر التي تقصد المكان بحثاً عن لحظات من الهدوء، فضلاً عن ما يرافق ذلك من إرباك لحركة الأطفال والمارة، في ظل الحاجة إلى تنظيم هذا النشاط وضبط شروط استغلال الفضاءات المخصصة للعب، بما يضمن عدم تحوّلها إلى مصدر إزعاج لباقي المرتادين.

وتعيد هذه الوضعية إلى الواجهة مسؤولية جماعة فاس، التي يرأس مجلسها عبد السلام البقالي، في ضمان الصيانة المنتظمة للحدائق العمومية، باعتبارها من المرافق التي تدخل ضمن اختصاصات التدبير المحلي، حيث لا ينبغي أن تقتصر العناية بالفضاءات الخضراء على إنجازها أو إعادة تهيئتها، بل يتعين أن تشمل برامج دائمة للتنظيف والصيانة وإصلاح الإنارة والتجهيزات، إلى جانب توفير شروط الحراسة والمراقبة والتدخل السريع كلما ظهرت أعطاب أو اختلالات تمس سلامة المرتادين وجودة الخدمات المقدمة لهم.

وكانت وضعية الحديقة اللاتينية قد أثارت نقاشاً داخل مجلس جماعة فاس خلال دورة أكتوبر 2024، بعدما طالب عدد من المستشارين الجماعيين بإطلاق تدخلات لإعادة تأهيلها وحمايتها من مظاهر التدهور، بالنظر إلى موقعها المركزي وأهميتها بالنسبة إلى الساكنة والزوار، علماً أن الحديقة، التي افتتحت خلال صيف 2015، تمتد على مساحة تقارب أربعة هكتارات، وتضم مسارات للتنزه وفضاءً لألعاب الأطفال ومرافق أخرى. وهو ما يؤكد أن الحاجة إلى إعادة الاعتبار لهذا الفضاء ليست وليدة اليوم، بل سبق أن كانت موضوع مطالب داخل المؤسسة المنتخبة نفسها.

كما أن مظاهر تراجع العناية بالفضاءات الخضراء في فاس لا تقتصر على الحديقة اللاتينية وحدها، إذ سبق أن سلطت تقارير صحفية خلال غشت 2026 الضوء على تدهور عدد من الحدائق والمساحات الخضراء بالمدينة، من خلال رصد تراكم النفايات وتوقف بعض النوافير وتضرر ألعاب الأطفال وضعف الإنارة، وهو ما أعاد النقاش بشأن استدامة المشاريع الحضرية وضرورة ضمان صيانتها بعد إنجازها، حتى لا تتحول الاستثمارات المخصصة لتحسين المشهد الحضري إلى مرافق تفقد جاذبيتها في وقت وجيز.

وأمام هذه الوضعية، تتجه الأنظار إلى ولاية جهة فاس مكناس، بقيادة والي الجهة خالد آيت طالب، من أجل مواكبة هذا الملف والتنسيق مع الجماعة والجهات المعنية، بما يتيح تسريع التدخلات الضرورية لإعادة الاعتبار للحديقة اللاتينية، باعتبارها مرفقاً عمومياً ذا أهمية اجتماعية وبيئية داخل النسيج الحضري للمدينة، مع ضرورة احترام الاختصاصات المؤسساتية لكل جهة، وضمان التتبع الفعلي لبرامج الصيانة والتنظيف والتأهيل.

ولا يتعلق الأمر بمجرد إصلاح مصابيح منطفئة أو استبدال كراسٍ مكسرة وحاويات مهترئة، بل بإعادة تنظيم الفضاء برمته، من خلال وضع برنامج واضح للتنظيف اليومي، وصيانة الإنارة، وإصلاح التجهيزات المتضررة، وتعزيز الحراسة، وضبط الأنشطة التجارية والترفيهية داخل الحديقة، إلى جانب مراقبة مدى احترام مستغلي فضاءات ألعاب الأطفال للشروط التي تضمن راحة الجميع وسلامتهم، مع إرساء آلية منتظمة لتلقي شكايات المواطنين والتفاعل معها.

وفي المقابل، تظل حماية الحديقة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمرتفقين، إذ إن أعمال التخريب التي تطال الكراسي والحاويات والتجهيزات لا يمكن تبريرها، كما أن الحفاظ على المرافق العمومية يقتضي ترسيخ ثقافة المواطنة واحترام الفضاءات المشتركة، غير أن ذلك لا يعفي الجهات المكلفة بالتدبير من مسؤولية إصلاح الأعطاب ومراقبة المرافق وضمان استمرارية خدمات النظافة والصيانة، لأن ترك التجهيزات المتضررة دون إصلاح يفاقم من تدهور المكان ويشجع على استمرار العبث بممتلكاته.

إن استمرار الوضعية الموصوفة بالحديقة اللاتينية يضع جماعة فاس أمام ضرورة تقديم توضيحات بشأن برامجها المخصصة لصيانة هذا الفضاء، والإجراءات المتخذة لمعالجة الاختلالات التي يشكو منها مرتادوه، وكذا الآجال المرتقبة لإعادة تأهيل تجهيزاته وتحسين شروط النظافة والإنارة، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى فضاءات خضراء تحفظ كرامة ساكنتها وتستجيب لانتظارات العائلات والأطفال، بدلاً من أن تتحول إلى مصدر إضافي للاستياء.

وتبقى الحديقة اللاتينية أكثر من مجرد مساحة خضراء وسط فاس، فهي فضاء اجتماعي يلتقي فيه المواطنون وتجد فيه العائلات متنفساً من ضغط الحياة اليومية، وهو ما يجعل استمرار تدهور مرافقها أمراً يستدعي تدخلاً عملياً يتجاوز الوعود والتصريحات، نحو إجراءات ملموسة تعيد إليها النظافة والإنارة والجاذبية، وتضع حداً لمظاهر الإهمال والتخريب والفوضى، بما يليق بمكانة العاصمة العلمية وبحق ساكنتها في بيئة حضرية سليمة وفضاءات عمومية تستجيب لأبسط شروط الراحة والسلامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى