مجلس الشيوخ الإسباني يفرمل قانون جنسية الصحراويين.. مدريد تعيد ضبط الملف في ظل التحول تجاه الرباط

دخل مشروع القانون الإسباني المتعلق بمنح الجنسية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، بعدما أدخلت لجنة العدل بمجلس الشيوخ تعديلات جوهرية على النص الذي سبق أن أقره مجلس النواب، في خطوة تقلص بصورة واضحة الامتيازات التي كانت المبادرة الأصلية تقترحها، وتعيد القضية إلى إطار قانوني أكثر ارتباطاً بشروط الإقامة في إسبانيا.
وكان مجلس النواب الإسباني قد صادق في 10 شتنبر الماضي على مشروع القانون بأغلبية 168 صوتاً مقابل 31 و145 امتناعاً، قبل إحالته على مجلس الشيوخ لاستكمال المسار التشريعي. النص الذي خرج من مجلس النواب كان يفتح، بالنسبة إلى المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 شتنبر 1977، إمكانية الحصول على الجنسية الإسبانية عن طريق «مرسوم خاص»، حتى في غياب الإقامة القانونية بإسبانيا، كما كان يمنح أبناء المستفيدين مساراً لاحقاً لاكتساب الجنسية.
غير أن الأغلبية التي يتوفر عليها الحزب الشعبي في مجلس الشيوخ استخدمت وزنها البرلماني لإعادة صياغة المشروع. ووفق المعطيات المنشورة في 30 شتنبر، تضمنت التعديلات تسع نقاط أساسية، من بينها حذف الطريق الاستثنائي للحصول على الجنسية بالنسبة إلى المولودين في الصحراء قبل 29 شتنبر 1977 من دون إقامة قانونية في إسبانيا، وإلغاء المقتضيات الإجرائية الخاصة بهذا المسار، مع إدراج الصحراويين ضمن الفئات التي يمكنها الاستفادة من أجل إقامة قانونية مدته سنتان قبل طلب الجنسية.
ويكتسي هذا التطور أهمية سياسية تتجاوز التفاصيل التقنية للقانون، لأن الجنسية ليست مجرد إجراء إداري، بل ترتبط في القانون الإسباني بعلاقة قانونية وسياسية مباشرة بين الفرد والدولة. ولذلك فإن نقل الملف من صيغة تمنح امتيازاً استثنائياً على أساس الولادة في إقليم كان خاضعاً للإدارة الإسبانية إلى صيغة تعتمد الإقامة القانونية في إسبانيا، يمثل تغييراً واضحاً في طبيعة المبادرة التي خرجت من مجلس النواب.
ومن الزاوية المغربية، تكمن أهمية التطور في أن المسار الذي كان يمكن أن يمنح الجنسية الإسبانية لآلاف الأشخاص، بصرف النظر عن إقامتهم الحالية، لم يعد يحظى بالصيغة نفسها داخل مجلس الشيوخ. وهذا لا يعني أن إسبانيا أغلقت الملف نهائياً، ولا أن المشروع سقط، لكنه يعني أن المؤسسة التشريعية الإسبانية أعادت إدخاله في إطار أكثر تحفظاً، وهو ما يضع حداً لقراءة كانت تتوقع انتقال المشروع بسرعة من الاعتراف التاريخي بالارتباط الإسباني بالصحراء إلى منح الجنسية على نطاق واسع.
واللافت أن هذه التطورات تأتي في مرحلة تشهد أصلاً تحولاً مهماً في السياسة الإسبانية تجاه قضية الصحراء. فمنذ مارس 2022، أعلنت حكومة بيدرو سانشيز أن المقترح المغربي للحكم الذاتي يمثل «القاعدة الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» للتوصل إلى حل للنزاع، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن التسوية ينبغي أن تتم في إطار الأمم المتحدة وبموافقة الأطراف. وقد أعادت مؤسسات دبلوماسية إسبانية التأكيد على هذا التحول في وثائق لاحقة.
وهنا تبرز المفارقة السياسية التي تجعل التطور داخل مجلس الشيوخ محل متابعة في الرباط: ففي الوقت الذي واصلت فيه بعض القوى الإسبانية، خصوصاً من اليسار، الدفع نحو تشريع يمنح امتيازات خاصة للصحراويين استناداً إلى فترة الإدارة الإسبانية، تحركت الأغلبية المحافظة في مجلس الشيوخ باتجاه إزالة أكثر عناصر المشروع استثنائية، والإبقاء على مسار يرتبط بالإقامة القانونية داخل إسبانيا.
ولا يمكن، في المقابل، اختزال الموقف الإسباني كله في اتجاه واحد، إذ أظهرت المناقشات البرلمانية انقساماً واضحاً بين الأحزاب حول طبيعة العلاقة القانونية التي ينبغي أن تربط الدولة الإسبانية بالصحراويين الذين ولدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية. فالحكومة الاشتراكية وحزب سومار دعما النص الذي أقره مجلس النواب، بينما قدم الحزب الشعبي تعديلات غيرت جوهره في مجلس الشيوخ، في حين سجل حزب فوكس مقترحاً لرفض المشروع برمته، لكنه لم ينجح في لجنة العدل.
ومن ثم، فإن الحديث عن «هزيمة» نهائية لجبهة البوليساريو داخل المؤسسات الإسبانية سيكون سابقاً لأوانه، كما أن القول إن مدريد أنهت أي امتياز قانوني محتمل للصحراويين لا يعكس الوضع التشريعي الحالي بدقة. الأدق أن التطور المسجل يتمثل في فرملة الصيغة الأكثر اتساعاً لمشروع الجنسية وإعادة صياغتها على أساس الإقامة القانونية، على أن يحسم مجلس الشيوخ موقفه في جلسة عامة خلال الأسبوع المقبل قبل أن يعود النص إلى مجلس النواب.
لكن بالنسبة إلى المغرب، تكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأنها تأتي في سياق علاقات ثنائية شهدت منذ 2022 إعادة بناء واسعة على أساس «الاحترام المتبادل» و«الامتناع عن الإجراءات الأحادية» والتواصل المستمر، بحسب خارطة الطريق التي أعلنتها الحكومة الإسبانية في مارس 2022. كما وصفت مدريد العلاقات مع الرباط بأنها استراتيجية في مجالات الهجرة والأمن والاقتصاد ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم التعديل الذي أدخله مجلس الشيوخ على مشروع الجنسية باعتباره مؤشراً إضافياً على أن ملف الصحراء لم يعد يتحرك داخل المؤسسات الإسبانية في اتجاه واحد. فبينما يستمر حضور تيارات سياسية تدافع عن مقاربة تاريخية للعلاقة بين إسبانيا والصحراويين، فإن السياسة الرسمية للحكومة الإسبانية تجاه النزاع ظلت منذ 2022 مرتبطة بدعم المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل السياسي، وهو تحول نوعي مقارنة بالمواقف التي كانت مدريد تعتمدها في مراحل سابقة.
والأهم أن المعركة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بمنح الجنسية من عدمه، وإنما بالسؤال الأوسع حول كيفية تعامل الدولة الإسبانية مع إرث وجودها الاستعماري السابق في الصحراء، وما إذا كان هذا الإرث سيُترجم إلى امتيازات قانونية خاصة أم سيظل في إطار الاعتبارات التاريخية والسياسية. والتعديل الذي أقرته لجنة العدل بمجلس الشيوخ يميل، في صيغته الحالية، إلى الخيار الثاني، من خلال حذف المسار الاستثنائي وربط الاستفادة المستقبلية بالإقامة القانونية لمدة سنتين.
وبذلك، فإن التطور الذي شهده البرلمان الإسباني لا يمثل إغلاقاً نهائياً للملف، لكنه يمثل تغييراً مهماً في اتجاهه. فالنص الذي صادق عليه مجلس النواب في شتنبر كان يفتح باباً واسعاً أمام منح الجنسية لمولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية حتى من دون إقامة في إسبانيا، بينما النص الذي مر من لجنة العدل في مجلس الشيوخ ألغى هذا المسار وأبقى على طريق الإقامة القانونية.
وستكون الخطوة الحاسمة خلال الأسبوع المقبل، عندما يعرض النص على الجلسة العامة لمجلس الشيوخ. وبعد ذلك سيعود إلى مجلس النواب للنظر في تعديلات الغرفة الثانية، ما يعني أن الصيغة النهائية للقانون لم تحسم بعد.
وفي المحصلة، فإن التطور التشريعي الأخير يكشف عن مسار أكثر تعقيداً من مجرد «رفض إسباني» لمنح الجنسية للصحراويين. إنه صراع داخل المؤسسات الإسبانية حول طبيعة العلاقة القانونية والتاريخية مع سكان الصحراء الذين ولدوا خلال الإدارة الإسبانية، يجري في الوقت نفسه الذي أصبحت فيه مدريد تعلن رسمياً أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تمثل أساساً جدياً وواقعياً للحل السياسي. ومن هذه الزاوية، فإن تقليص الصيغة الاستثنائية لمشروع الجنسية يمثل تحولاً يستحق المتابعة، خصوصاً في ضوء المسار الجديد للعلاقات المغربية الإسبانية وتداعياته على مختلف الملفات المرتبطة بالصحراء.






