بوريطة من قلب الجمعية العامة للأمم المتحدة: الصحراء دخلت مرحلة جديدة.. والمغرب يطرح رؤية متكاملة للأمن والسلام والتنمية

أكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال المناقشة العامة رفيعة المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة في أعقاب اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797، تقوم على الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية، وفق المرجعيات التي حددها مجلس الأمن.
وشكلت كلمة بوريطة أمام ممثلي دول العالم مناسبة لعرض الموقف المغربي من عدد من القضايا الإقليمية والدولية، مع إبراز الثوابت التي تقوم عليها الدبلوماسية المغربية تحت قيادة الملك محمد السادس، وفي مقدمتها الدفاع عن الوحدة الترابية، دعم الاستقرار الإقليمي، تعزيز التعاون الإفريقي، والانخراط في الجهود الدولية الرامية إلى إرساء الأمن والسلام.
وقال بوريطة إن اعتماد القرار الأممي 2797 أطلق، بالنسبة إلى قضية الصحراء المغربية، مساراً جديداً يقوم على دعوة الأطراف إلى الدخول في مناقشات دون شروط مسبقة، وعلى أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب، مؤكداً أن التسوية السياسية المنشودة ينبغي أن تستند إلى المرجعيات التي حددها مجلس الأمن.
وتأتي هذه المواقف في سياق مرحلة دبلوماسية مكثفة بالنسبة للمغرب، بعدما أصبح ملف الصحراء حاضراً بقوة في أجندة العلاقات الدولية للمملكة، بالتوازي مع توسيع شبكة شراكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع عدد من الدول والقوى الدولية.
وفي كلمته، لم يحصر الوزير المغربي الحضور الدولي للمملكة في قضية الوحدة الترابية، بل قدم رؤية أوسع للتحديات التي تواجه النظام الدولي، محذراً من تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية وما أصبحت تمثله من تهديد لأمن الدول وحرية الملاحة واستقرار الممرات البحرية والمضائق.
ودعا بوريطة المجتمع الدولي إلى اعتماد إجراءات رادعة في مواجهة هذه الجماعات والجهات التي توفر لها التمويل أو السلاح أو الدعم، معتبراً أن مواجهة هذه الظاهرة أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والاستقرار الدوليين.
وفي الشق المتعلق بالمناخ، أبرز وزير الخارجية أن المغرب يواجه تداعيات متزايدة للتغير المناخي، رغم محدودية مساهمته في الانبعاثات العالمية، مستعرضاً عدداً من الإجراءات التي اعتمدتها المملكة لمواجهة الإجهاد المائي، من بينها بناء السدود، وربط الأحواض المائية، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وترشيد استعمال الموارد المائية.
كما حملت كلمة المغرب أمام الجمعية العامة موقف المملكة من التطورات الخطيرة في الشرق الأوسط، حيث جدد بوريطة التأكيد على أن السلام الدائم يمر عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وقابلة للحياة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيل تعيش معها في أمن وسلام.
وفي هذا السياق، كشف بوريطة عن قرار المغرب المشاركة في القوة الدولية المخصصة لتحقيق الاستقرار في غزة، إلى جانب المساهمة في جهود إنسانية وأمنية مرتبطة بالمرحلة المقبلة، بما في ذلك تدريب الشرطة الفلسطينية ونشر ضباط عسكريين رفيعي المستوى ضمن قوات الأمن الداخلي، فضلاً عن إقامة مستشفى ميداني والاستعداد للمساهمة في برامج لمكافحة التطرف.
وأعرب المسؤول المغربي عن قلق المملكة إزاء التطورات في الضفة الغربية، خصوصاً ما يرتبط بالإجراءات والقوانين التي تمس الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية، فضلاً عن استمرار أعمال العنف التي تستهدف الفلسطينيين، محذراً من أن الإجراءات الأحادية والانتهاكات المتكررة لحرمة المسجد الأقصى من شأنها زيادة التوتر وتأجيج خطاب التطرف والكراهية.
وفي قلب هذا الموقف، جدد بوريطة التأكيد على الدور الذي يضطلع به الملك محمد السادس، بصفته رئيساً للجنة القدس، في الدفاع عن الوضع القانوني والتاريخي والروحي للمدينة المقدسة، والحفاظ على هويتها، إلى جانب العمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لسكانها.
وتعكس كلمة بوريطة في نيويورك، بذلك، تعدد الملفات التي تتحرك فيها الدبلوماسية المغربية داخل الأمم المتحدة وخارجها؛ فالمملكة تضع قضية الصحراء في مقدمة أولوياتها، لكنها في الوقت نفسه تقدم نفسها كطرف منخرط في النقاشات الكبرى المرتبطة بالأمن الدولي، ومكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة، والمناخ، والمياه، والسلام في الشرق الأوسط، ودعم القضية الفلسطينية.
كما أن اختيار هذه الملفات ضمن الخطاب المغربي أمام الجمعية العامة يبرز طبيعة المقاربة التي تعتمدها الرباط في تحركها الدولي، حيث تتقاطع قضية الوحدة الترابية مع رؤية أوسع تقوم على الدفاع عن سيادة الدول، واحترام القانون الدولي، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية، وتعزيز التعاون متعدد الأطراف.
وتأتي كلمة بوريطة في وقت تشهد فيه الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة نقاشات مكثفة حول أزمات دولية متشابكة، فيما تستمر المناقشة العامة رفيعة المستوى من 22 إلى 26 شتنبر ثم يوم 28 شتنبر 2026.
وبهذا الحضور في أعلى منبر أممي، يضع المغرب مجموعة من الملفات التي يعتبرها استراتيجية في صلب النقاش الدولي، مؤكداً أن دبلوماسيته، بقيادة الملك محمد السادس، لا تتحرك في اتجاه واحد، وإنما تشتغل على مسارات متوازية تجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية، والانخراط في القضايا الإقليمية، والمساهمة في معالجة التحديات الأمنية والإنسانية والمناخية التي تواجه المجتمع الدولي.
وقد حظيت كلمة بوريطة باهتمام داخل أروقة الأمم المتحدة، حيث شارك وزير الخارجية المغربي في أعمال الدورة الـ81، التي تشكل إحدى أهم المحطات السنوية للدبلوماسية متعددة الأطراف.






