أزمة الطاقة تقترب من المغرب؟ اضطرابات هرمز تهدد فاتورة الاستيراد وتضع الاقتصاد أمام اختبار صعب

دخل الاقتصاد المغربي مرحلة حساسة مع استمرار الاضطرابات التي تضرب حركة الطاقة العالمية عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم، بعدما تراجعت حركة السفن العابرة للمضيق بشكل كبير، في وقت لا تزال فيه إمدادات الطاقة تمر عبره بوتيرة أقل بكثير من مستويات ما قبل الأزمة.
وبالنسبة إلى المغرب، لا تكمن الخطورة في مصدر النفط الذي تستورده المملكة فقط، وإنما في السعر العالمي الذي تدفعه الأسواق مقابل كل برميل، وفي تكاليف النقل والتأمين والمنتجات المكررة، وهي عناصر يمكن أن تنتقل سريعاً إلى فاتورة الواردات والميزان التجاري والمالية العمومية إذا استمرت الأزمة أو تصاعدت.
وتكشف المعطيات الحالية أن المملكة تدخل هذه المرحلة في وقت كان فيه العجز التجاري قد اتسع أصلاً بشكل لافت خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، ما يجعل أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة عاملاً إضافياً للضغط على الحسابات الخارجية للمغرب.
هرمز.. أزمة عالمية لم تعد بعيدة عن المغرب
لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة جيوسياسية بعيدة عن الاقتصاد المغربي. فالممر البحري يشكل عقدة رئيسية في تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد في حركته يرفع تكاليف النفط والغاز والنقل والتأمين، حتى بالنسبة للدول التي لا تشتري احتياجاتها النفطية مباشرة من الخليج.
وتشير أحدث المعطيات المنشورة في 21 شتنبر إلى أن عدد سفن السلع التي عبرت المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع لم يتجاوز 17 سفينة، مقابل 37 في الأسبوع السابق، وبعيداً جداً عن متوسط كان يبلغ نحو 125 سفينة يومياً قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، استمرت بعض صادرات النفط من المنطقة، ما يعني أن السيناريو الحالي هو اضطراب حاد في حركة الطاقة وليس توقفاً شاملاً ونهائياً لكل التدفقات.
وتزداد حساسية الوضع بسبب ارتفاع كلفة النقل البحري، إذ تشير معطيات حديثة إلى تجاوز تكاليف نقل بعض شحنات النفط الخام 30 دولاراً للبرميل في بعض المسارات، وهو ما يوضح أن الصدمة لا تقتصر على سعر النفط نفسه، بل تشمل كامل سلسلة الإمداد.
المغرب يدفع الثمن حتى دون استيراد النفط من الخليج
المعادلة الأساسية بالنسبة للمغرب بسيطة: ارتفاع سعر النفط عالمياً يعني ارتفاع تكلفة استيراد المنتجات النفطية التي تحتاج إليها المملكة، بغض النظر عن بلد المنشأ المباشر للشحنة.
وتظهر أحدث بيانات مكتب الصرف أن واردات المغرب من السلع بلغت 544.045 مليار درهم بنهاية يوليوز 2026، مقابل صادرات بقيمة 299.349 مليار درهم، وهو ما رفع العجز التجاري إلى نحو 244.7 مليار درهم، بزيادة بلغت 26.5 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات بـ3.8 نقاط.
وهذه الأرقام مهمة لأنها تظهر أن الاقتصاد المغربي يواجه بالفعل فجوة تجارية واسعة قبل احتساب التأثير الكامل لأي موجة جديدة في أسعار الطاقة خلال الأشهر الأخيرة من السنة.
فاتورة الطاقة تحت الضغط
وكانت فاتورة الطاقة قد سجلت ارتفاعاً قوياً خلال 2026، بحسب المعطيات التي أوردها مكتب الصرف في نشراته الشهرية.
وفي حال استقرت أسعار النفط العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، فإن فاتورة الطاقة المغربية يمكن أن ترتفع بشكل كبير مقارنة بالمسار الذي كانت ستسلكه في ظروف سوق أكثر استقراراً.
وفي السيناريو الذي يبلغ فيه سعر برنت 120 دولاراً للبرميل أو يتجاوزه، تصبح الحسابات أكثر حساسية، خصوصاً إذا تزامن ارتفاع الخام مع ارتفاع أسعار الغاز والمنتجات المكررة وتكاليف الشحن والتأمين.
وهنا يمكن أن تتحول فاتورة الطاقة من ضغط على الواردات إلى عامل مؤثر في العجز التجاري برمته، لأن كل زيادة مستمرة في كلفة الطاقة تعني حاجة إضافية إلى العملة الصعبة لتمويل الواردات.
175 مليار درهم.. سيناريو وليس رقماً محققاً
وتضع بعض المحاكاة المبنية على مستوى الواردات المسجل خلال 2026 وعلى افتراض استمرار أسعار النفط في نطاق 120 إلى 130 دولاراً للبرميل خلال ما تبقى من السنة فاتورة الطاقة المغربية في نطاق قد يصل إلى 165 أو 175 مليار درهم.
لكن هذا الرقم يجب التعامل معه باعتباره سيناريو تقديرياً وليس توقعاً رسمياً، لأنه يعتمد على مجموعة من الفرضيات، بينها سعر النفط، وحجم الواردات، وأسعار المنتجات المكررة، وأسعار الغاز، وكلفة النقل والتأمين، وسعر صرف الدرهم.
وتزداد احتمالات تجاوز هذا السيناريو إذا تحولت الأزمة إلى إغلاق فعلي وطويل الأمد للممرات الرئيسية، أو إذا تضررت منشآت الإنتاج والتكرير والتصدير في المنطقة، لأن الأسواق لن تتعامل حينها مع أزمة نفط فقط، بل مع أزمة شاملة في سلاسل إمداد الطاقة.
العجز التجاري.. الحلقة الأكثر حساسية
الخطر الأكبر بالنسبة للمغرب لا يتمثل في ارتفاع سعر الوقود للمستهلك فقط، وإنما في أثر الصدمة على الحسابات الخارجية.
فإذا ارتفعت قيمة الواردات النفطية بعشرات المليارات من الدراهم، بينما بقيت الصادرات في مستوياتها الحالية، فإن العجز التجاري سيتسع بالضرورة.
وتظهر بيانات مكتب الصرف أن العجز بلغ بالفعل 244.696 مليار درهم في نهاية يوليوز، مع نمو الواردات بنسبة 15.9 في المائة مقابل ارتفاع الصادرات بنسبة 8.4 في المائة فقط.
وهذا يعني أن الاقتصاد المغربي يدخل النصف الثاني من السنة بفارق كبير بين قيمة ما يستورده وما يصدره، وأي ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة سيضيف ضغطاً جديداً إلى هذه الفجوة.
وفي سيناريو ممتد لارتفاع النفط، يمكن للعجز التجاري أن يقترب من مستويات أعلى بكثير من المسار المتوقع في الظروف العادية، خصوصاً إذا تزامن ارتفاع الطاقة مع ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتباطؤ الطلب الخارجي.
صندوق النقد سبق أن حذر من صدمة الطاقة
وليس خطر ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد المغربي افتراضاً نظرياً فقط.
ففي تقييمه للاقتصاد المغربي خلال مارس 2026، وضع صندوق النقد الدولي سيناريو خاصاً لتأثير الصراع في الشرق الأوسط، وخلص إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة عدم اليقين يمكن أن يضعفا النمو الحقيقي للمغرب بنحو 0.5 نقطة مئوية مقارنة بالسيناريو الأساسي الذي اعتمده الصندوق آنذاك.
كما قدر الصندوق أن صافي واردات المنتجات الطاقية للمغرب سيبلغ نحو 11.5 مليار دولار في السيناريو المحدث لعام 2026، مع ارتفاع العجز في الحساب الجاري إلى 3.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
وفي سيناريو أكثر سلبية، قدر الصندوق أن الحساب الجاري يمكن أن يتدهور إلى عجز يعادل 5.2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مع تراجع النمو إلى 3.3 في المائة، وهي أرقام تبرز حجم الحساسية التي يفرضها ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات التجارة العالمية على الاقتصاد المغربي.
هل نحن أمام أزمة قادمة؟
المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن المغرب دخل فعلاً أزمة طاقة، كما أن الإغلاق الكامل لمضيق هرمز ليس واقعاً شاملاً وفق أحدث المعطيات المتاحة.
لكن الخطر يكمن في استمرار الأزمة الحالية وتحولها إلى صدمة ممتدة.
فالفارق بين سعر نفط في حدود 100 دولار وسعر يتجاوز 120 دولاراً ليس مجرد زيادة محدودة في كلفة الوقود، بل يمكن أن ينعكس على النقل والصناعة والكهرباء والمنتجات المكررة والميزان التجاري والمالية العمومية، خصوصاً إذا استمر الارتفاع عدة أشهر.
وتزداد المخاطر عندما تترافق الصدمة النفطية مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب حركة السفن، لأن المغرب يعتمد على الواردات لتغطية جزء أساسي من حاجياته الطاقية.
الاحتياطيات تمنح المغرب هامش مواجهة
وفي المقابل، لا يدخل المغرب هذه المرحلة من دون هوامش حماية.
فصندوق النقد الدولي يعتبر الاحتياطيات الدولية للمملكة كافية، كما يؤكد أن المغرب يتوفر على خطوط حماية مالية مهمة، بينها خط الائتمان المرن، الذي يمكن أن يوفر هامشاً إضافياً في مواجهة صدمات خارجية أكثر حدة.
كما أن المؤسسة الدولية أكدت في تقييمها أن الأسس الاقتصادية والمؤسساتية والسياسات الماكرو اقتصادية للمغرب تمنح السلطات قدرة على امتصاص الصدمات، وهو ما يخفف من حدة المخاطر حتى في حال استمرار الاضطرابات الخارجية.
لكن وجود هذه الهوامش لا يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة سيكون بلا تكلفة، بل يعني أن الاقتصاد يمتلك أدوات تسمح له بتدبير الصدمة إذا بقيت محدودة زمنياً وحجماً.
المعركة المقبلة ليست حول البرميل فقط
إذا طال اضطراب هرمز، فإن المغرب سيكون أمام معركة اقتصادية متعددة الجبهات: تأمين الطاقة، التحكم في كلفة الواردات، الحفاظ على توازن الحسابات الخارجية، الحد من انتقال التضخم إلى الاقتصاد الداخلي، ومواصلة تمويل الاستثمار العمومي في الوقت نفسه.
وسيكون قطاع النقل من بين أكثر القطاعات حساسية، إلى جانب الصناعات التي تعتمد على الطاقة والمنتجات النفطية، فيما يمكن أن تنتقل آثار الصدمة تدريجياً إلى كلفة الإنتاج والأسعار.
أما بالنسبة للمالية العمومية، فإن استمرار ارتفاع الطاقة يمكن أن يفرض ضغوطاً إضافية على النفقات، خصوصاً إذا تطلب الأمر تدابير للتخفيف من أثر ارتفاع الأسعار على الأسر والقطاعات الاقتصادية.
المغرب أمام اختبار جديد
السيناريو الأخطر ليس ارتفاع النفط ليوم أو أسبوع، وإنما بقاؤه عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة.
فإذا استقر برنت عند 120 دولاراً أو أكثر، واستمرت اضطرابات النقل عبر هرمز، وارتفعت أسعار المنتجات المكررة والتأمين البحري، فإن تأثير الصدمة على المغرب سيكون أكبر بكثير من مجرد ارتفاع في فاتورة المحروقات.
وقد تتحول الأزمة إلى ضغط متزامن على فاتورة الطاقة والميزان التجاري والحساب الجاري والنمو والمالية العمومية.
وبذلك، فإن أزمة هرمز، حتى قبل الوصول إلى سيناريو الإغلاق الكامل، تضع الاقتصاد المغربي أمام اختبار جديد. ويظل العامل الحاسم هو مدة الأزمة وحجم اضطراب الإمدادات، لأن استمرار الوضع الحالي قد يبقى قابلاً للاحتواء، بينما انتقاله إلى إغلاق فعلي وطويل الأمد وارتفاع مستمر للنفط إلى 120 أو 130 دولاراً سيعني دخول الاقتصاد العالمي، والمغرب ضمنه، مرحلة مختلفة تماماً من ضغط الطاقة والتجارة الخارجية.
وحتى الآن، تُظهر المعطيات أن الخطر موجود لكنه سيناريو مشروط وليس أزمة محققة؛ غير أن اتساع العجز التجاري المغربي منذ بداية السنة يجعل أي صدمة نفطية طويلة أكثر كلفة مما كانت ستكون عليه في ظروف خارجية أكثر استقراراً.






