مجتمع

طلبة فاس في مواجهة أزمة السكن الجامعي.. خصاص متزايد وتأخر الحي الجديد يضاعف الضغط على ظهر المهراز

مع اقتراب كل موسم جامعي، تعود أزمة السكن إلى واجهة المشاكل التي تؤرق آلاف الطلبة بمدينة فاس، خصوصاً القادمين من مختلف أقاليم جهة فاس-مكناس التسعة، والذين يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين البحث عن مقعد جامعي، وتأمين مكان للإقامة، وتحمل تكاليف الكراء والمعيشة، في ظل ارتفاع الطلب على السكن وتزايد أعداد الطلبة الملتحقين بمؤسسات جامعة سيدي محمد بن عبد الله.

وتزداد حدة الإشكال مع بداية الموسم الجامعي الحالي، بعدما أصبح العرض المتوفر من الأحياء الجامعية لا يواكب، بحسب معطيات الواقع الميداني، حجم الطلب المتزايد على السكن، وهو ما يدفع أعداداً من الطلبة إلى البحث عن غرف أو شقق مشتركة في محيط المؤسسات الجامعية، خصوصاً في المناطق القريبة من المركبات والكليات والأحياء التي تشكل امتداداً طبيعياً للحياة الجامعية بمدينة فاس.

وتبرز منطقة ظهر المهراز بشكل خاص في قلب هذه المعادلة، باعتبارها واحدة من أهم المجالات الجامعية بالمدينة، حيث تستقطب مؤسساتها أعداداً كبيرة من الطلبة، الأمر الذي يجعل الضغط على السكن والكراء أكثر وضوحاً مع بداية كل موسم جامعي. ومع ارتفاع أعداد الطلبة القادمين من الأقاليم التسعة للجهة ومن مناطق أخرى لمتابعة دراستهم بفاس، يتحول العثور على سكن مناسب وبسعر يمكن تحمله إلى تحدٍّ حقيقي بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر والطلبة.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود ارتفاع أسعار الكراء، بل ترتبط أساساً بالفجوة المتزايدة بين العرض والطلب. فالطالب الذي يأتي إلى فاس من إقليم بعيد لا يبحث فقط عن غرفة، وإنما يحتاج إلى سكن قريب من المؤسسة الجامعية، تتوفر فيه شروط السلامة والنظافة والاستقرار، وبكلفة تتناسب مع الإمكانيات المحدودة للطالب والأسرة التي تتحمل، إلى جانب السكن، مصاريف النقل والتغذية والكتب والتجهيزات الدراسية وباقي متطلبات الحياة الجامعية.

وفي ظل هذا الوضع، يصبح الطالب أمام خيارات محدودة؛ فإما تحمل كلفة كراء مرتفعة، أو السكن في أماكن بعيدة عن الجامعة وما يرافق ذلك من مصاريف إضافية للتنقل، أو تقاسم غرفة أو شقة مع عدد من الطلبة لتقليص المصاريف، بينما يجد بعض الطلبة أنفسهم مضطرين إلى الجمع بين الدراسة والعمل لتغطية تكاليف الإقامة والمعيشة، وهو ما يطرح بدوره سؤالاً أكبر حول تأثير أزمة السكن في الاستقرار الدراسي والتحصيل الجامعي.

ويزداد الضغط في فاس بسبب التأخر في فتح الحي الجامعي الجديد الموجود بالقرب من المستشفى الجامعي، والذي كان من شأن دخوله الخدمة أن يساهم في توسيع الطاقة الاستيعابية للسكن الجامعي وتخفيف جزء من الضغط الذي يواجهه الطلبة مع بداية الموسم الدراسي. ويطرح استمرار التأخير في فتح هذا المرفق تساؤلات مشروعة لدى الطلبة والأسر حول أسباب التعثر، والآجال الفعلية لدخوله الخدمة، ومدى جاهزيته لاستقبال الطلبة الذين ينتظرون حلولاً عملية لمشكلة السكن.

فالحي الجامعي الجديد لا يمثل مجرد بناية إضافية في الخريطة الجامعية لمدينة فاس، وإنما يشكل، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الطلبة، جزءاً من الحل لمعضلة أصبحت تتكرر سنوياً. وكلما تأخر تشغيل طاقة استيعابية جديدة، ظل جزء من الطلبة مجبراً على اللجوء إلى سوق الكراء الخاص، حيث تتحكم قاعدة العرض والطلب في الأسعار، وتتحول بداية الموسم الجامعي إلى فترة تعرف فيها السوق ضغطاً استثنائياً.

وتتداخل في هذه الوضعية عدة عوامل، من بينها النمو المستمر في أعداد الطلبة المسجلين بمؤسسات جامعة سيدي محمد بن عبد الله، واستقطاب فاس لطلبة من مختلف أقاليم الجهة، إضافة إلى الطلبة الوافدين من مناطق أخرى، مقابل محدودية العرض المخصص للسكن الجامعي. ولذلك لم يعد ملف الإيواء مسألة اجتماعية ثانوية، بل أصبح جزءاً أساسياً من شروط إنجاح المسار الجامعي وضمان تكافؤ الفرص بين الطلبة.

ويطرح واقع الأحياء الجامعية بدوره الحاجة إلى تقييم شامل للطاقة الاستيعابية المتوفرة ومدى ملاءمتها للتطور المتواصل في أعداد الطلبة، خصوصاً أن السكن الجامعي يؤدي وظيفة تتجاوز توفير سرير للطالب، إذ يساهم في الحد من الهدر الجامعي، ويخفف الأعباء المالية عن الأسر، ويمنح الطلبة القادمين من مناطق بعيدة ظروفاً أكثر استقراراً لمتابعة دراستهم.

وفي المقابل، فإن الضغط المتزايد على سوق الكراء الخاص في محيط الجامعة، وخصوصاً في ظهر المهراز والمناطق القريبة من المؤسسات الجامعية، يجعل الطالب طرفاً ضعيفاً أمام واقع اقتصادي لا يراعي دائماً قدراته المالية. فارتفاع أسعار الشقق والغرف، إلى جانب اشتراطات بعض الملاك والوسطاء، يمكن أن يحول السكن من وسيلة للاستقرار الدراسي إلى عائق حقيقي أمام الاستمرار في الدراسة.

وتفرض هذه الوضعية على مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم جامعة سيدي محمد بن عبد الله والقطاعات الحكومية المعنية، التفكير في حلول أكثر استدامة، ليس فقط من خلال تسريع فتح الحي الجامعي الجديد قرب المستشفى الجامعي، وإنما أيضاً عبر توسيع العرض مستقبلاً بما يتناسب مع النمو المتوقع في أعداد الطلبة، وتشجيع مشاريع السكن الجامعي، سواء العمومي أو الخاص، وفق شروط وأسعار تراعي خصوصية الطالب وقدرته المالية.

كما أن معالجة أزمة السكن الجامعي بفاس ينبغي ألا تنحصر في الاستجابة الموسمية للطلب مع بداية السنة الجامعية، وإنما تتطلب رؤية استباقية تأخذ بعين الاعتبار التطور الديمغرافي للجامعة، وتوسع التخصصات والمؤسسات الجامعية، وتزايد أعداد الطلبة الوافدين من الأقاليم التسعة لجهة فاس-مكناس، بما يضمن ألا يتحول النمو الجامعي إلى ضغط اجتماعي واقتصادي على الطلبة وأسرهم.

وتبقى مسؤولية توفير السكن اللائق جزءاً من مسؤولية الحكومات المتعاقبة  في ضمان شروط الولوج الفعلي إلى التعليم العالي، لأن توفير مقعد جامعي للطالب لا يكفي إذا كان عاجزاً عن تأمين مكان للإقامة بالقرب من مؤسسته أو تحمل تكاليف التنقل والكراء. ومن هنا، فإن أزمة السكن الجامعي في فاس تستحق أن تعامل باعتبارها ملفاً مرتبطاً مباشرة بالعدالة المجالية وتكافؤ الفرص ومحاربة الهدر الجامعي.

وفي انتظار فتح الحي الجامعي الجديد قرب المستشفى الجامعي، يبقى الطلبة في فاس، ولا سيما القادمون من الأقاليم التسعة، أمام موسم جامعي جديد يحمل معه السؤال نفسه: أين سيسكن الطالب، وبأي تكلفة، وكيف يمكن أن يتفرغ لدراسته في ظل ارتفاع كلفة الحياة والكراء؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد تحتمل حلولاً مؤقتة، لأن مدينة فاس أصبحت قطباً جامعياً يستقبل آلاف الطلبة، وبالتالي فإن مواكبة هذا الدور الأكاديمي تقتضي بالضرورة مواكبة موازية على مستوى السكن الجامعي والخدمات المرتبطة به. وتسريع إخراج المشاريع المبرمجة إلى حيز الخدمة، وفي مقدمتها الحي الجامعي الجديد، وتوسيع العرض مستقبلاً، يظل أحد المداخل الأساسية حتى لا يتحول البحث عن السكن إلى أول عقبة تواجه الطالب في بداية مساره الجامعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى