تحقيق صحفي : تسريب الطالبي العلمي يفجر حرباً داخل «الأحرار».. من يعبث بموازين الحزب ومن يدفع بالصراع إلى حافة المؤسسات؟

عندما خرجت مداخلة مغلقة من غرفة القرار
لم يعد التسريب الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي مجرد واقعة إعلامية عابرة، لأن قيمة ما خرج إلى العلن لا تكمن فقط في مضمون المداخلة، وإنما في المكان الذي قيلت فيه، والتوقيت الذي اختير لإخراجها، والجهة التي يمكن أن تكون قد استفادت من تحويل نقاش داخلي داخل المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار إلى مادة مفتوحة للرأي العام، خصوصاً أن الاجتماع انعقد في لحظة انتخابية بالغة الحساسية، وبعد أيام قليلة فقط من تصاعد الحديث عن انتقال منتخبين وبرلمانيين من «الأحرار» إلى الأصالة والمعاصرة. والاجتماع نفسه كان اجتماعاً سياسياً داخلياً، ترأسه محمد شوكي، وجاء في سياق بحث الوضعية السياسية والاستعدادات للاستحقاقات المقبلة، قبل أن يجد الحزب نفسه في اليوم الموالي أمام معركة جديدة لم تكن في حاجة إليها: معركة التسريب، ومصدره، والرسالة التي يحملها، ومن يقف خلف إخراجه من الغرفة المغلقة إلى الفضاء العمومي. وقد أكد شوكي نفسه أسفه لتسريب جزء من نقاشات الاجتماع، محذراً من اقتطاع المواقف من سياقها.
وهنا تحديداً تبدأ القراءة السياسية الحقيقية، لأن السؤال ليس فقط: من سجل صوت الطالبي العلمي؟ وإنما: من كان يريد لهذا الصوت أن يصل إلى الخارج في هذه اللحظة بالذات؟ فالتسجيل، سواء كان قد خرج بفعل تسريب عفوي أو نتيجة قرار متعمد، أدى وظيفة سياسية واضحة: نقل النقاش من بلاغ رسمي أصدره الحزب ضد ما وصفه باستمالة منتخبيه، إلى نقاش أكثر إحراجاً يتعلق بما يجري داخل قيادة «الأحرار» نفسها. وبدلاً من أن يبقى «البام» في موقع الدفاع عن نفسه أمام اتهامات الاستمالة والضغط، وجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة عن الطالبي العلمي، وعن محمد شوكي، وعن مستقبل الحزب، وعن العلاقة بين القيادة الحزبية والقيادة الحكومية والقيادة البرلمانية.
هذه ليست نتيجة هامشية، بل تحول في اتجاه المعركة.
اجتماع استثنائي في توقيت غير عادي
لم يكن اجتماع المكتب السياسي يوم 25 غشت اجتماعاً عادياً في رزنامة الحزب، فقد جاء في وقت بدأ فيه التنافس الانتخابي يتحول إلى مواجهة مباشرة بين حليفي الحكومة، بعدما أعلن «الأحرار» أن عدداً من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه تعرضوا، بحسب رواية الحزب، لمحاولات استمالة وضغوط من طرف «البام». وقد تحدث المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار عن ممارسات اعتبرها متجاوزة لحدود التنافس السياسي الطبيعي، وربطها بشكل مباشر بالمناخ الانتخابي الذي يسبق استحقاقات 23 شتنبر.
لكن اجتماعاً بهذا المستوى كان يفترض، من الناحية السياسية، أن يكون فضاءً لترتيب البيت الداخلي وتحديد استراتيجية الحزب في مواجهة خصومه، لا أن يتحول بعد ساعات إلى مصدر لمادة صوتية تستعمل في معركة سياسية وإعلامية واسعة. وهذا ما يجعل التسريب، في حد ذاته، أكثر خطورة من مضمون المداخلة، لأن تسريب نقاشات مكتب سياسي لا يضرب فقط حرمة الاجتماع الداخلي، وإنما يكشف وجود ثغرة داخل منظومة القرار الحزبي، ويطرح سؤالاً عن قدرة القيادة على التحكم في المعلومات التي تنتج داخل مؤسساتها.
وفي الأحزاب التي تستعد لمعركة انتخابية مصيرية، تصبح المعلومة قوة، ويصبح تسريبها سلاحاً، ويصبح اختيار اللحظة جزءاً من الرسالة السياسية. لذلك فإن التحقيق الحقيقي يجب ألا يتوقف عند الصوت، بل يجب أن يتتبع مسار الصوت: من أين بدأ، من احتفظ به، من اختار المقطع، من أخرجه، ومن كان أول من تلقاه، ومن قرر أن يجعله مادة للنشر؟
إلى الآن لا توجد أدلة علنية تثبت أن الطالبي العلمي هو من يقف وراء التسريب، ولذلك لا يمكن تحويل الشبهة إلى إدانة، ولا يمكن مهنياً القول إن الرجل سجل مداخلته بنفسه ثم سربها. لكن عدم وجود الدليل لا يعني إسقاط السؤال، بل يعني إبقاء السؤال في مكانه الصحيح: ضمن دائرة التحقيق وليس ضمن دائرة الاتهام.
الطالبي العلمي.. ضحية التسريب أم أحد المستفيدين منه؟
الطالبي العلمي يوجد في قلب هذه القضية بحكم أن صوته هو الذي خرج إلى العلن، لكن وجود صوته في التسجيل لا يعني بأي شكل من الأشكال أنه يقف وراء التسريب. هذه قاعدة أساسية ينبغي عدم تجاوزها. غير أن السياسة تفرض سؤالاً آخر: هل ترتبت على التسريب نتائج يمكن أن تكون مفيدة له في صراع النفوذ داخل الحزب؟
هنا تصبح القراءة أكثر تعقيداً.
فالطالبي العلمي ليس شخصية عادية في التجمع الوطني للأحرار؛ إنه رئيس مجلس النواب وعضو في المكتب السياسي للحزب، وله حضور سياسي وتنظيمي طويل، فيما يقود محمد شوكي الحزب في المرحلة الحالية. وعندما يخرج تسجيل من اجتماع ترأسه شوكي، ويتصدر فيه صوت الطالبي العلمي المشهد الإعلامي، فإن مركز الثقل ينتقل بصورة تلقائية من رئيس الحزب الذي دعا إلى الاجتماع إلى الشخصية التي أصبحت مداخلتها موضوع النقاش العام.
وهذه النقلة تستحق التوقف.
هل كان الطالبي العلمي يريد فعلاً إحراج محمد شوكي؟ لا دليل على ذلك. هل كان يريد إرسال رسالة إلى داخل الحزب حول موازين القوة؟ لا يمكن إثبات ذلك من التسجيل وحده. هل كان طرف آخر يريد أن يظهر الطالبي العلمي كأنه صاحب القرار الفعلي داخل الحزب؟ هذا احتمال سياسي لا يمكن إلغاؤه، لكنه يحتاج إلى قرائن إضافية.
غير أن النتيجة العملية واضحة: التسريب وضع محمد شوكي في موقف دفاعي، بينما جعل الطالبي العلمي محور النقاش.
وهذه مفارقة لا يمكن تجاهلها.
هل يجري حرق محمد شوكي من الداخل؟
محمد شوكي هو رئيس الحزب، ولذلك فإن أي تسريب من اجتماع مكتبه السياسي لا يمكن أن يكون بلا كلفة سياسية عليه، خصوصاً إذا بدا أن النقاشات الداخلية أكثر حدة مما يظهر في البيانات الرسمية. وقد اختار شوكي في أول رد له التركيز على أسفه لتسريب النقاشات والتحذير من اقتطاعها من سياقها، بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع الطالبي العلمي أو نفي مضمون المداخلة.
هذه الطريقة في الرد تحمل دلالة.
فشوكي لم يحول التسريب إلى معركة شخصية، ولم يوجه اتهاماً إلى أي عضو من أعضاء المكتب السياسي، وإنما حاول إعادة النقاش إلى الإطار المؤسساتي. وهذه ربما تكون أكثر الطرق عقلانية في التعامل مع أزمة من هذا النوع، لأن الدخول في اتهامات داخلية حول هوية المسرب قد يحول حادثة محدودة إلى حرب داخل الحزب.
لكن المشكلة أن الصمت أو ضبط النفس لا يلغي الأسئلة.
فإذا كان رئيس الحزب نفسه يقر بأن جزءاً من اجتماع المكتب السياسي قد تم تسريبه، فإن السؤال الطبيعي هو: هل فتح الحزب تحقيقاً داخلياً لمعرفة مصدر التسريب؟
وإذا لم يفعل، فلماذا؟
وإذا فعل، فما هي النتيجة؟
لأن حزباً يستعد لانتخابات وطنية لا يستطيع أن يسمح بأن تصبح اجتماعات مكتبه السياسي مصدراً دائماً لتسريبات مجهولة، وإلا فإن أي نقاش داخلي يمكن أن يتحول في اليوم التالي إلى أزمة إعلامية.
«الأحرار» بدأ المعركة ضد «البام».. لكن التسريب غيّر اتجاه النار
في 25 غشت، كان الخطاب الرسمي للتجمع الوطني للأحرار واضحاً: هناك، بحسب الحزب، عمليات استمالة وضغوط تستهدف منتخبيه وقياداته، والحزب يرى أن الأمر تجاوز حدود التنافس الطبيعي.
كان ذلك خطاباً موجهاً إلى الخارج، وتحديداً إلى «البام».
لكن بعد ظهور التسجيل، تغيرت طبيعة النقاش.
لم يعد السؤال الإعلامي: هل يستقطب «البام» منتخبين من «الأحرار»؟
بل أصبح: ماذا قال الطالبي العلمي؟ ولماذا قاله؟ وهل يعكس موقفه موقف الحزب؟ وهل توجد خلافات داخل «الأحرار» حول طريقة إدارة المعركة الانتخابية؟ وهل هناك من يتحدث باسم الحزب خارج القنوات التي حددها رئيسه؟
وهكذا انتقل مركز العاصفة.
وهذا ما يجعل فرضية «التسريب السياسي» أكثر إثارة من مجرد فرضية التسريب التقني، لأن التسريب، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، أعاد توزيع الاهتمام الإعلامي بين أطراف الصراع.
«البام» التقط الكرة وأعادها إلى ملعب «الأحرار»
الأصالة والمعاصرة لم يكتفِ بالنفي، بل استغل اللحظة لإعادة صياغة المعركة. ففي بلاغ مكتبه السياسي الصادر يوم 26 غشت، رفض الحزب الاتهامات الموجهة إليه، واستهجن إقحام اسمه في بيان «الأحرار»، مؤكداً تمسكه بحرية الاختيار والانتماء السياسي، ورافضاً ما اعتبره دروساً في احترام القانون وقواعد العمل السياسي والمؤسساتي.
الأهم أن «البام» لم يتعامل مع القضية باعتبارها مجرد نزاع على مرشحين، بل أعاد التذكير بانتقالات سياسية عرفها المشهد في انتخابات 2021، في إشارة إلى أن ظاهرة انتقال المنتخبين بين الأحزاب ليست جديدة ولا يمكن تحميل طرف واحد مسؤوليتها.
وهكذا أصبح لكل طرف أرشيف يستخدمه ضد الآخر.
«الأحرار» يقول: هناك استمالة وضغوط اليوم.
و«البام» يقول: وأنتم فعلتم الشيء نفسه بالأمس.
وبين الروايتين، تتحول الانتخابات من منافسة حول البرامج والنتائج إلى مواجهة حول من يملك الحق في اتهام الآخر بأنه تجاوز قواعد اللعبة.
الأخطر: أن يتحول الصراع الحزبي إلى أزمة ثقة في الانتخابات
هنا يجب وضع حد فاصل بين النقد السياسي والتشكيك في مؤسسات الدولة.
إذا كانت لدى حزب التجمع الوطني للأحرار أدلة على تعرض منتخبيه لضغوط أو إكراه، فإن الطريق الطبيعي هو تقديم هذه الأدلة إلى الجهات المختصة، لأن البلاغات السياسية وحدها لا تثبت المخالفات. وإذا كان «البام» يرى أن الاتهامات باطلة، فله الحق في الدفاع عن نفسه والاحتكام إلى القانون.
لكن تحويل الخلاف بين الحزبين إلى خطاب يوحي بأن العملية الانتخابية برمتها أصبحت موضع شك سيكون خطأ بالغ الخطورة.
فالانتخابات ليست ملكاً للأحرار ولا للبام ولا لأي حزب آخر.
والمؤسسات الدستورية ليست طرفاً في المنافسة الحزبية.
والدولة لا ينبغي أن تُجر إلى معركة انتخابية بين حليفين أصبحا خصمين.
وهنا تظهر مسؤولية القيادات الثلاث: القيادات الحزبية، والقيادات الحكومية، والقيادات البرلمانية.
أخنوش وبايتاس والطالبي العلمي.. هل نحن أمام مركز قوة أم مجرد تزامن سياسي؟
من السهل جداً أن تُبنى نظرية سياسية تقول إن عزيز أخنوش ومصطفى بايتاس ورشيد الطالبي العلمي يتحركون كـ«ثلاثي» واحد، وأن هناك أجندة خفية لإعادة ترتيب الحزب أو ضرب خصوم داخليين أو التشكيك في العملية الانتخابية.
لكن الصحافة المهنية لا تبني اتهاماً بهذا الحجم على التزامن وحده.
لا توجد في المعطيات المتاحة علناً وثيقة أو قرينة موثوقة تثبت وجود تنسيق سري بين الثلاثة لتفجير أزمة داخل التجمع الوطني للأحرار أو لضرب مؤسسات الدولة.
لكن وجود ثلاثة مراكز نفوذ في مواقع مختلفة داخل الحزب والدولة يفرض تحليلاً آخر أكثر واقعية: كلما اقتربت الانتخابات، تتقاطع مصالح القيادة الحكومية مع مصالح القيادة الحزبية ومع مصالح القيادة البرلمانية، وقد تتطابق في ملفات وتختلف في أخرى.
وهذا النوع من التداخل لا يحتاج إلى مؤامرة حتى ينتج صراعاً.
فالحكومة تريد حماية حصيلتها.
والحزب يريد الحفاظ على موقعه الانتخابي.
والقيادات تريد حماية مواقعها ونفوذها.
والمرشحون يريدون الفوز.
والتحالفات المحلية تتحرك تحت ضغط الانتخابات.
ومن هنا يمكن أن ينشأ الصراع من تلقاء نفسه، من دون وجود غرفة سرية تدير كل شيء.
هل يريد الطالبي العلمي خلط الأوراق؟
هذه الفرضية تستحق البحث، ولكنها تحتاج إلى فصل الشخص عن النتيجة.
إذا كان الطالبي العلمي قد شارك في اجتماع المكتب السياسي وتحدث بصفته عضواً فيه، فإن مداخلته تظل جزءاً من نقاش جماعي، ولا يمكن اعتبارها تلقائياً محاولة لخلط الأوراق.
لكن إذا ثبت أن التسجيل خرج من مصدر قريب منه، أو أنه هو من اختار تسريب جزء منه، أو أنه استفاد من التسريب في مواجهة رئيس الحزب، فإن القراءة ستتغير جذرياً.
وهنا تظهر أهمية التحقيق التقني وليس فقط السياسي.
فالمطلوب ليس سؤال الطالبي العلمي: «هل سربت؟» فقط، بل فحص التسجيل، ومعرفة مصدره، وتحديد ما إذا كان كاملاً، ومعرفة تاريخ إنشائه، ومقارنة المقطع المتداول بأي نسخة أصلية موجودة لدى الحزب، ثم تتبع المسار الذي قطعه التسجيل قبل وصوله إلى الإعلام.
بدون ذلك، سيبقى الحديث عن تورط الطالبي العلمي مجرد فرضية.
أما إذا ظهرت قرائن تقنية أو شهادات داخلية، فسيصبح الملف مختلفاً تماماً.
هل يشعر بعض قادة «الأحرار» بأن مرحلة سياسية انتهت؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأعمق.
الانتخابات لا تعني فقط تغيير عدد المقاعد، وإنما يمكن أن تعني إعادة ترتيب موازين القوى داخل الأحزاب نفسها.
وعندما تبدأ أسماء وازنة في الانتقال إلى حزب منافس، وعندما تصبح المنافسة على الترشيحات شرسة، وعندما تتحدث القيادات علناً عن الاستمالة والضغط، فإن ذلك قد يعكس شعوراً بأن المرحلة السابقة لم تعد مضمونة.
وهنا يمكن فهم بعض مظاهر التوتر دون اللجوء إلى نظرية المؤامرة.
فالأحزاب عندما تشعر بأن مواقعها مهددة تصبح أكثر حساسية تجاه انتقال الأشخاص، وأكثر سرعة في الرد، وأكثر استعداداً لإخراج الخلافات إلى العلن.
لكن المشكلة أن الحزب الذي يقود الحكومة لا يستطيع أن يتصرف كحزب عادي فقط.
لأن أي ارتباك داخله ينعكس، ولو بصورة غير مباشرة، على صورة العمل الحكومي.
الحرب بين «الأحرار» و«البام» أصبحت أكبر من مجرد انتخابات
المؤشر الأخطر في المشهد هو أن العلاقة بين الحزبين تجاوزت حدود التنافس الانتخابي التقليدي.
فهما حليفان في الحكومة الحالية، لكنهما يتصارعان الآن على المنتخبين والمرشحين والوزن الانتخابي.
وهما شريكان في تدبير المرحلة الحالية، لكنهما يتبادلان الاتهامات حول أخلاقيات التنافس.
وهما يعرفان أن نتائج 23 شتنبر ستحدد من يملك ورقة أقوى في تشكيل الأغلبية المقبلة.
ولهذا فإن كل انتقال سياسي اليوم يُقرأ باعتباره ضربة لموقع الطرف الآخر.
كل اسم له قيمة.
كل دائرة لها حساباتها.
كل بلاغ يحمل رسالة.
وكل تسريب يمكن أن يصبح سلاحاً.
وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة الحالية أخطر من مجرد «حرب كلامية».
الخلاصة.. السؤال ليس من سرب فقط، بل من استفاد من التسريب
إذا أردنا قراءة ما يحدث بعيداً عن التهويل وبعيداً عن التبرير، فإن المعطيات تقود إلى حقيقة سياسية واضحة: التجمع الوطني للأحرار يعيش لحظة اختبار داخلي حقيقية بالتوازي مع مواجهة انتخابية شرسة مع الأصالة والمعاصرة.
بلاغ 25 غشت فتح النار على «البام»، والتسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي نقل النار إلى داخل «الأحرار»، ورد «البام» في 26 غشت أعاد توجيهها نحو الطرف الآخر، بينما أصبح محمد شوكي أمام امتحان مزدوج: حماية صورة الحزب في مواجهة خصمه، وضبط البيت الداخلي في مواجهة التسريبات.
أما سؤال الطالبي العلمي، فهو لم يعد سؤالاً عن مضمون مداخلته فقط.
إنه سؤال عن من يمتلك القدرة على تحريك النقاش داخل الحزب، ومن يمتلك القدرة على إخراج هذا النقاش إلى العلن، ومن يستفيد عندما يصبح صوت رئيس مجلس النواب مادة لصراع حزبي وانتخابي.
ولا توجد حتى الآن أدلة تسمح باتهامه بالوقوف وراء التسريب.
ولا توجد أدلة تثبت وجود «مؤامرة» يقودها أخنوش وبايتاس والطالبي العلمي لضرب الحزب أو مؤسسات الدولة.
لكن هناك شيئاً أكثر وضوحاً: التسريب كشف هشاشة في الجدار الداخلي للحزب، وكشف أن الحرب الانتخابية لم تعد تدور فقط بين «الأحرار» و«البام»، وإنما بدأت تلامس سؤال القيادة والنفوذ والقرار داخل كل حزب.
وهنا ينبغي أن تتوقف كل الحسابات.
فإذا كان هناك من يريد إسقاط محمد شوكي، فليُكشف ذلك داخل المؤسسات.
وإذا كان هناك من يريد إضعاف الطالبي العلمي، فليواجهه سياسياً لا بالتسريبات.
وإذا كان هناك خلاف داخل «الأحرار» حول أخنوش أو بايتاس أو الطالبي العلمي أو شوكي، فمكانه المؤسسات الحزبية وليس التسجيلات المجهولة.
أما إذا كانت هناك فعلاً ضغوط على المنتخبين، فليتم تقديم الأدلة إلى الجهات المختصة.
لأن أخطر سيناريو ليس أن يخسر «الأحرار» أمام «البام»، ولا أن ينتصر هذا على ذاك.
أخطر سيناريو هو أن تتحول الحرب بين الحزبين إلى حرب على الثقة، وأن يصبح الناخب المغربي أمام مشهد يشعر فيه أن السياسيين يتصارعون على النتائج قبل أن يصوت، وعلى المناصب قبل أن تُعلن المقاعد، وعلى مواقع السلطة قبل أن تتحدث صناديق الاقتراع.
في هذه النقطة تحديداً، يصبح التسريب أكبر من صاحبه، والبلاغ أكبر من الحزبين، والمعركة أكبر من الانتخابات نفسها.
لأن المؤسسات لا تُحمى بالصمت، ولا تُحمى بالتسريبات، ولا تُحمى بتبادل الاتهامات.
المؤسسات تُحمى عندما يعرف كل فاعل سياسي حدوده، وعندما تظل الانتخابات ملكاً للناخب وحده، وعندما لا يتحول الصراع على السلطة إلى صراع على الثقة في الدولة.






