مجتمع

عامل بولمان علال الباز يقود المهرجان من المعرض إلى التنمية.. ودعوة لتوطين معهد النباتات الطبية والعطرية بالإقليم

بولمان – فاس24

لم يكن حضور عامل إقليم بولمان،  علال الباز،  أمس السبت (8 غشت 2026)،في الدورة الثانية لمهرجان بولمان للزعفران والنباتات الطبية والعطرية مجرد حضور بروتوكولي، بل تحول إلى حضور ميداني لافت رافق مختلف فقرات هذه التظاهرة، التي اختتمت فعالياتها بعد أربعة أيام من الأنشطة الاقتصادية والثقافية والفنية.

وخلال وجوده بالمهرجان، قام عامل الإقليم بجولة موسعة بين أروقة المعرض، والتقى بالعارضين وأعضاء التعاونيات والمنتجين، واطلع بشكل مباشر على مختلف المنتوجات المجالية المعروضة، قبل أن يشرف على توزيع الجوائز والشواهد على عدد من المشاركين والعارضين، في رسالة واضحة مفادها أن دعم المنتج المحلي لا ينبغي أن يبقى في حدود الشعارات، وإنما يجب أن يترجم إلى مواكبة ميدانية وتشجيع للمنتجين والنساء والشباب العاملين في هذا المجال.

واللافت في حضور عامل الإقليم أنه قضى وقتاً طويلاً وسط الساكنة والعارضين داخل فضاءات المعرض، في تواصل مباشر مع أبناء المنطقة والمنتجين، قبل أن ينتقل مساء إلى فضاء السهرة الرسمية، حيث امتزج الموروث الثقافي المحلي بالفلكلور الأمازيغي، وقدمت فرق وفنانون فقرات متنوعة أمام جمهور غفير من أبناء الإقليم وزوار المهرجان.

هذا الحضور المتواصل، من أروقة المعرض إلى المنصة الفنية، يعكس طبيعة المقاربة التي باتت تميز تدبير هذا الموعد منذ انطلاقته، وهي مقاربة تنظر إلى المهرجان باعتباره أكثر من مناسبة احتفالية، وتضعه في صلب مشروع للتعريف بمؤهلات بولمان وربط الثقافة بالاقتصاد، والمنتوج المحلي بالسياحة، والبحث العلمي بالتنمية.

من فكرة إلى موعد معروف.. علال الباز يراهن على منتوجات بولمان

ومنذ التحضير للنسخة الأولى، ارتبط مهرجان الزعفران والنباتات الطبية والعطرية برؤية عامل إقليم بولمان علال الباز الرامية إلى تحويل المؤهلات المحلية إلى رافعة حقيقية للتنمية.

فالمهرجان الذي انطلقت دورته الأولى في أكتوبر 2025، تحت شعار «المنتوجات المجالية… رافعة لجيل جديد من التنمية الترابية»، لم يعد اليوم مجرد تجربة حديثة العهد، بل بدأ يفرض نفسه كموعد يعرف بمنتوجات الإقليم ومؤهلاته الطبيعية والفلاحية والثقافية. وكانت التحضيرات للدورة الثانية قد انطلقت في فبراير الماضي باجتماع ترأسه عامل الإقليم، وهو ما يؤكد أن التظاهرة أصبحت جزءاً من تصور تنموي يراد له أن يستمر ويتطور من سنة إلى أخرى.

وتكشف حصيلة الدورة الأولى عن قابلية المهرجان للتحول إلى منصة اقتصادية حقيقية؛ إذ سجلت مشاركة 53 تعاونية، مع معدل إقبال يومي قارب 3600 زائر، فضلاً عن خلق دينامية لفائدة قطاعات النقل والإيواء والإطعام والخدمات.

وهنا تحديداً تبرز أهمية الرؤية التي حملها عامل الإقليم منذ البداية: أن يصبح اسم بولمان مرتبطاً بمنتوجاتها المجالية، وأن تتحول هذه المنتوجات من موارد محلية متفرقة إلى سلاسل إنتاج وتثمين وتسويق قادرة على خلق القيمة وفرص الشغل.

الزعفران.. ذهب النباتات وواجهة المائدة المغربية

وفي قلب هذه الرؤية يوجد الزعفران، ذلك المنتوج الذي لا يمثل مجرد مادة فلاحية، وإنما يحمل قيمة اقتصادية وثقافية وغذائية كبيرة، ويعد من أغلى التوابل عالمياً، كما يحتل مكانة خاصة في المطبخ المغربي.

وبولمان لا تريد أن تكتفي بإنتاج الزعفران، وإنما تسعى إلى بناء منظومة متكاملة حوله: الإنتاج، والجودة، والتثمين، والتغليف، والتسويق، ثم الانتقال إلى البحث العلمي والتصنيع وفتح منافذ جديدة للأسواق.

وإلى جانب الزعفران، يملك الإقليم رصيداً مهماً من النباتات الطبية والعطرية، خصوصاً في المجالات الجبلية التي تتميز بتنوع بيئي كبير. وقد أصبح هذا الرصيد محط اهتمام متزايد من طرف التعاونيات والفاعلين في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

وتقدم منطقة سكورة مداز نموذجاً واضحاً على الإمكانات الموجودة في الإقليم، حيث وثقت الأمم المتحدة تجربة تعاونية نسائية انتقلت من جمع الأعشاب البرية إلى زراعتها وتقطيرها وتحويلها وتسويقها، قبل أن تخوض تجربة زراعة الزعفران، بما يبرز إمكانية الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى سلاسل قيمة أكثر تنظيماً.

بولمان.. خزان طبيعي يستحق معه الاستثمار في البحث العلمي

نجاح الدورة الثانية يطرح، في المقابل، سؤالاً أكبر من حدود المهرجان نفسه: لماذا لا تتحول بولمان إلى مركز وطني للبحث والتكوين والتثمين في مجال النباتات الطبية والعطرية؟

فالمعطيات المتداولة محلياً تشير إلى أن الإقليم يتوفر على رصيد نباتي يناهز 600 نوع من النباتات، وهو رقم، إن تم تثبيته علمياً من خلال جرد متخصص، يجعل من بولمان مجالاً طبيعياً بالغ الأهمية لإقامة مركز بحثي متخصص في النباتات الطبية والعطرية.

والأهم أن الأمر لا يتعلق فقط بعدد الأنواع، وإنما بتنوع المجالات البيئية التي تحتضنها، وبإمكانية دراسة النباتات وتصنيفها، وحمايتها من الاستغلال العشوائي، وتطوير طرق زراعتها، واستخراج المواد الفعالة منها، وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة في مجالات الغذاء والتجميل والصناعات الصيدلانية والطب النباتي.

ومن هنا تبرز ضرورة أن تفتح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى جانب القطاعات الحكومية والمؤسسات العلمية المعنية، نقاشاً جدياً حول توطين مؤسسة متخصصة في النباتات الطبية والعطرية بإقليم بولمان.

لماذا لا يكون معهد النباتات الطبية والعطرية في بولمان؟

المقترح لا يأتي من فراغ.

فالمغرب سبق أن راكم تجربة مؤسساتية في هذا المجال من خلال المؤسسة التي ارتبطت بالنباتات الطبية والعطرية في تاونات، والتي كان من بين أهدافها تثمين النباتات الطبية والعطرية، وإنجاز البحوث والدراسات العلمية والصيدلانية والبيولوجية والكيميائية، وتطوير التكوين ونقل التكنولوجيا والحفاظ على التنوع البيولوجي وإقامة شراكات مع الجامعات ومراكز البحث.

غير أن النقاش حول مستقبل هذه المؤسسة، خصوصاً في ظل التحولات التي عرفها ملف التعليم العالي بتاونات، يجعل من الضروري عدم إضاعة البعد العلمي والبحثي المرتبط بالنباتات الطبية والعطرية، بل إعادة التفكير في أفضل مجال ترابي يمكن أن يحتضن مؤسسة من هذا النوع.

وهنا تبدو بولمان مرشحة بشكل طبيعي.

فإذا كانت تاونات قد احتضنت التجربة السابقة، فإن بولمان تقدم اليوم معطيات ميدانية قوية تجعل إعادة توطين أو إحداث مؤسسة متخصصة بالإقليم خياراً قابلاً للدراسة: تنوع نباتي، مجال جبلي واسع، منتوجات مجالية، تعاونيات نسائية، إنتاج للزعفران، ووجود مهرجان متخصص أصبح منصة للتعريف بهذه الثروة.

وبدل أن يكون المعهد مجرد بناية إدارية أو مؤسسة للتكوين النظري، يمكن أن تتحول بولمان إلى مختبر مفتوح للنباتات الطبية والعطرية، يربط الجامعة بالمزارع والغابة والتعاونيات والمختبرات والمقاولات.

مؤسسة علمية يمكن أن تغير اقتصاد الإقليم

إنشاء مؤسسة متخصصة في هذا المجال لن تكون فائدته محصورة في الطلبة والباحثين.

فالمؤسسة يمكن أن تضطلع بمهام متعددة، من بينها إنشاء بنك للموارد النباتية، وإجراء جرد علمي للأنواع الموجودة بالإقليم، ودراسة خصائصها، وتحديد الأنواع القابلة للتثمين الاقتصادي، ومساعدة التعاونيات على تطوير منتجات مطابقة للمعايير، ومواكبة الفلاحين في تقنيات الزراعة والتجفيف والتخزين، وتشجيع تصنيع الزيوت الأساسية والمستخلصات النباتية.

كما يمكن أن تصبح فضاءً لتكوين جيل جديد من التقنيين والباحثين في مجالات الصيدلة النباتية، والكيمياء الحيوية، والتكنولوجيا الحيوية، والتصنيع الغذائي، والتجميل الطبيعي، وحماية التنوع البيولوجي.

والأهم من ذلك أن البحث العلمي يمكن أن يمنح منتوجات بولمان ما تحتاجه فعلياً للانتقال من منتوج محلي جميل إلى منتوج ذي قيمة مضافة وقدرة تنافسية.

فالتحدي لم يعد هو فقط إنتاج الزعفران أو جمع الأعشاب، وإنما معرفة كيفية تحويل المادة الأولية إلى منتج نهائي يحمل علامة تجارية، ويستجيب لمعايير الجودة والسلامة، ويمكن تسويقه وطنياً ودولياً.

من المهرجان إلى مشروع تنموي متكامل

وهنا تكمن قيمة مهرجان بولمان.

فالتظاهرة، التي تجمع التعاونيات والمنتجين والباحثين والمهنيين والفاعلين المؤسساتيين، يمكن أن تكون بمثابة منصة سنوية لتقديم نتائج البحث العلمي، وإطلاق مشاريع الاستثمار، وعقد شراكات بين الجامعات والتعاونيات، وتسويق المنتجات، واستقطاب المستثمرين.

كما يمكن أن يتحول المهرجان إلى موعد دولي مستقبلاً، يستقطب خبراء ومختصين في النباتات الطبية والعطرية، خصوصاً أن المغرب يمتلك رصيداً مهماً في هذا المجال، وتنتج البلاد كميات كبيرة من النباتات ذات الخصائص الطبية والعطرية التي تدخل في مجالات متعددة، من الطب التقليدي إلى مستحضرات التجميل والزيوت الأساسية.

وهذا يعني أن بولمان لا تحتاج فقط إلى مهرجان ناجح، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة حول المهرجان.

منظومة تبدأ من الفلاح، وتمر عبر التعاونية، وتصل إلى المختبر والجامعة، ثم إلى المصنع والسوق، مع الاستفادة من السياحة الجبلية والثقافية والبيئية.

علال الباز.. رهان على الإنسان والمنتوج والمجال

في هذه المعادلة، برز عامل إقليم بولمان علال الباز باعتباره أحد أبرز الداعمين لهذا المسار، ليس فقط من خلال الحضور الإداري، وإنما من خلال النزول إلى الميدان، والإنصات للعارضين، ومواكبة التعاونيات، وتشجيع المنتجين، والحضور وسط الساكنة خلال مختلف فقرات المهرجان.

والرسالة التي حملها حضوره خلال الدورة الثانية واضحة: التنمية الترابية تبدأ من معرفة ما يملكه الإقليم، ثم تحويل تلك الإمكانات إلى فرص حقيقية للساكنة.

فحين يقضي المسؤول الترابي يومه بين أروقة المعرض، ويتوقف عند منتجات التعاونيات، ويتابع تفاصيل العرض، ويشرف على تكريم المشاركين، ثم يحضر في المساء إلى جانب الساكنة والفنانين والفرق الفلكلورية، فإن ذلك يمنح التظاهرة بعداً آخر، ويجعلها أقرب إلى لقاء مفتوح بين الإدارة والمجتمع والمنتجين.

وهذا النوع من الحضور الميداني هو الذي يمكن أن يمنح للمهرجان استمراريته ويحول الفكرة التي انطلقت في دورتها الأولى إلى مؤسسة سنوية لها أثر اقتصادي وثقافي وعلمي متراكم.

نجاح الدورة الثانية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة

لقد نجحت بولمان في تقديم نفسها، من خلال هذه الدورة الثانية، كإقليم قادر على صناعة موعد خاص به، عنوانه الزعفران والنباتات الطبية والعطرية، لكنه في العمق موعد للاقتصاد المحلي والثقافة الأمازيغية والسياحة الجبلية والمنتوجات المجالية.

وإذا كان تنظيم المهرجان قد نجح في التعريف بهذه الثروة، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون أكثر طموحاً: الانتقال من التعريف بالمنتوج إلى تصنيع المعرفة حوله.

وهنا يصبح مطلب توطين معهد أو مركز جامعي متخصص في النباتات الطبية والعطرية ببولمان مطلباً تنموياً يستحق الدراسة الجدية من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والجامعات، والجهات المختصة.

فإقليم يملك هذا الرصيد الطبيعي والبشري، ويحتضن تعاونيات تشتغل فعلياً في المجال، ويشهد ميلاد مهرجان متخصص، ويضم مناطق جبلية غنية بالتنوع النباتي، يمكن أن يتحول إلى قطب وطني للبحث والتكوين والتثمين في النباتات الطبية والعطرية.

وقد يكون هذا هو الامتداد الطبيعي للنجاح الذي حققه مهرجان بولمان: أن ينتقل الزعفران من أروقة المعرض إلى المختبر، وأن تنتقل الأعشاب من المجال التقليدي إلى البحث العلمي، وأن تتحول ثروة الطبيعة إلى معرفة وفرص شغل واستثمارات، وأن تصبح بولمان ليس فقط مدينة تحتفي بالزعفران، وإنما مدينة تصنع حوله العلم والاقتصاد والتنمية.

وبذلك يكون المهرجان قد تجاوز وظيفته الاحتفالية، ليصبح بداية لمسار أكبر، عنوانه تثمين الإنسان والمجال والمنتوج، وتحويل مؤهلات إقليم بولمان إلى رافعة حقيقية لتنمية ترابية مستدامة ومندمجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى