أرقام حكومية متفائلة وواقع اجتماعي صعب.. لماذا لا يشعر المغاربة بثمار النمو الاقتصادي؟

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن تحسن مؤشرات النمو الاقتصادي، تتجدد الأسئلة نفسها داخل الأوساط الشعبية: أين انعكاس هذه الأرقام على القدرة الشرائية؟ ولماذا لا تزال غالبية الأسر المغربية تشعر بأن أوضاعها المعيشية تتدهور رغم الحديث المتكرر عن انتعاش الاقتصاد؟
هذا التناقض عاد إلى الواجهة بعد صدور معطيات اقتصادية حديثة، أظهرت أن الاقتصاد الوطني حقق نمواً حقيقياً بلغ 4.4 في المائة خلال سنة 2024، مدفوعاً أساساً بأداء قطاعات الصناعة والخدمات، في وقت تكشف فيه مؤشرات أخرى أن غالبية الأسر المغربية لا تلمس أي تحسن في حياتها اليومية، بل تؤكد العكس تماماً.
فوفق نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، صرحت 78.3 في المائة من الأسر المغربية بأن مستوى معيشتها عرف تراجعاً خلال الاثني عشر شهراً الماضية، بينما لم تتجاوز نسبة الأسر القادرة على الادخار 2.6 في المائة، وهي أرقام تعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، رغم الخطاب الرسمي الذي يركز على تحسن المؤشرات الماكرو اقتصادية.
هذه المفارقة تطرح علامات استفهام كبيرة حول السياسات الحكومية، ومدى قدرتها على تحويل النمو الاقتصادي إلى مكاسب اجتماعية حقيقية يشعر بها المواطن. فالنمو، مهما بلغت نسبته، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما يبقى محصوراً في المؤشرات الإحصائية، دون أن ينعكس على الأجور، وفرص الشغل، وتحسن القدرة الشرائية، وتخفيف كلفة المعيشة.
ويبدو أن الإشكال لا يكمن في تسجيل نسب نمو فقط، بل في طبيعة هذا النمو وكيفية توزيع ثماره. فإذا كانت القيمة المضافة تتركز في أرباح بعض القطاعات أو الشركات، أو يعاد ضخها في الاستثمارات دون أن تصل آثارها بسرعة إلى دخل الأسر، فإن المواطن لن يشعر بوجود أي تحسن، مهما ارتفعت المؤشرات الاقتصادية.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات خلال السنوات الأخيرة أضعف أثر أي تحسن اقتصادي محتمل، إذ أصبحت الأسر تخصص جزءاً أكبر من دخلها لتغطية النفقات اليومية، في وقت لم تواكب فيه المداخيل الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
ويضاف إلى ذلك استمرار التفاوتات المجالية، حيث تستفيد بعض الجهات من الدينامية الاقتصادية بشكل أكبر من غيرها، بينما تظل مناطق عديدة تعاني ضعف الاستثمار وفرص التشغيل، وهو ما يعمق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية ويجعل ثمار النمو غير موزعة بشكل متوازن.
كما أن محدودية الادخار لدى الأسر ليست مجرد رقم اقتصادي، بل مؤشر على هشاشة الوضع الاجتماعي، إذ إن الأسرة التي لا تستطيع ادخار جزء من دخلها تكون أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، وأكثر اعتماداً على الاقتراض أو تقليص نفقاتها الأساسية عند أي أزمة.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن الاعتماد على معدل النمو وحده لتقييم الأداء الحكومي لم يعد كافياً. فالمؤشرات الحديثة في العديد من الدول أصبحت تقيس جودة النمو، وعدالة توزيعه، ومستوى الدخل الحقيقي، والقدرة الشرائية، ومؤشرات الثقة، وجودة الخدمات العمومية، لأنها تعكس بصورة أدق واقع المواطنين.
وفي هذا السياق، تبدو الحكومة مطالبة بأكثر من الاكتفاء بعرض أرقام النمو في البيانات الرسمية، إذ ينتظر المواطن سياسات قادرة على خلق فرص شغل مستقرة، والحد من غلاء المعيشة، وتحسين الدخل، وتقليص الفوارق بين الجهات، حتى يتحول النمو الاقتصادي إلى أثر ملموس في الحياة اليومية.
ولا يمكن إغفال أن التحديات الدولية، من تضخم وتقلبات اقتصادية، أثرت بدورها على الاقتصاد المغربي، غير أن ذلك لا يعفي السياسات العمومية من مسؤولية البحث عن آليات أكثر فعالية لحماية القدرة الشرائية، وتوجيه ثمار النمو نحو الفئات التي تحتاجها أكثر.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في تحقيق نسب نمو مرتفعة، بل في بناء اقتصاد يحقق نمواً أكثر شمولاً وعدالة، بحيث ينعكس على التشغيل، والدخل، والخدمات، وجودة العيش. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بنسبة النمو المعلنة، وإنما بما يلمسه في مصروفه اليومي، وقدرته على الادخار، واستقراره الاجتماعي.
وبين لغة الأرقام الرسمية وواقع الأسواق ومصاريف الأسر، تبقى الفجوة قائمة. وإذا لم تتمكن السياسات العمومية من تقليص هذه الهوة، فإن تحسن المؤشرات الاقتصادية سيظل بالنسبة إلى كثير من المغاربة رقماً في التقارير، لا تغييراً حقيقياً في تفاصيل حياتهم اليومية.






