تعويضات لا تواكب كلفة العلاج.. هل أصبح نظام الحماية الاجتماعية في المغرب بحاجة إلى مراجعة عاجلة؟

رغم الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة لتعميم الحماية الاجتماعية وتوسيع التغطية الصحية، لا يزال عدد كبير من المغاربة يشتكون من ضعف التعويضات عن مصاريف العلاج والأدوية، في وقت تعرف فيه كلفة الخدمات الصحية ارتفاعاً متواصلاً، ما يجعل آلاف الأسر تتحمل الجزء الأكبر من النفقات من مواردها الخاصة.
ويعد ملف التعويضات التي يقدمها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من أكثر الملفات إثارة للنقاش، إذ يؤكد العديد من المؤمن لهم أن المبالغ المسترجعة بعد العلاج أو اقتناء الأدوية تبقى، في حالات كثيرة، بعيدة عن الكلفة الحقيقية التي يتحملها المرضى. ويشير منتقدون للنظام إلى أن نسبة التعويض الفعلية قد تكون منخفضة في بعض الملفات مقارنة بما دفعه المؤمن له، خصوصاً بالنسبة لبعض الفحوصات المتخصصة أو العلاجات أو الأدوية، ويربطون ذلك باستمرار العمل بتعريفة مرجعية قديمة لا تعكس الأسعار الحالية للخدمات الصحية.
ويأتي هذا الجدل في وقت سبق فيه لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن أقرت بأن التعريفة المرجعية الوطنية المعمول بها منذ سنة 2006 أصبحت متجاوزة ولا تواكب تطور أثمان العلاج والخدمات الطبية، مع الإعلان في وقت سابق عن إطلاق مشاورات لمراجعتها. غير أن عدداً من المستفيدين والهيئات المدنية يعتبرون أن وتيرة الإصلاح لا تزال بطيئة، بينما يستمر المرضى في تحمل فارق التكلفة.
وتشير تقارير جمعوية إلى أن المواطن المغربي ما يزال يؤدي جزءاً كبيراً من مصاريف العلاج من ماله الخاص، وهو ما يضعف الأثر المنتظر من ورش تعميم التغطية الصحية. فالحماية الاجتماعية لا تقاس فقط بعدد المنخرطين، بل أيضاً بقدرتها على تخفيف العبء المالي عن الأسر وضمان ولوج فعلي إلى العلاج دون أن يتحول المرض إلى أزمة مالية.
وتبرز معاناة المرضى بشكل أكبر عند الإصابة بأمراض مزمنة أو عند الحاجة إلى عمليات جراحية، أو فحوصات دقيقة، أو علاجات باهظة الثمن، حيث يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام فواتير مرتفعة، بينما تبقى التعويضات المسترجعة أقل بكثير من المبالغ المؤداة، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى الاقتراض أو تأجيل العلاج أو الاستغناء عن بعض الأدوية بسبب كلفتها.
كما يشكو عدد من المؤمن لهم من طول آجال معالجة بعض ملفات التعويض، إضافة إلى التعقيدات الإدارية التي ترافقها في بعض الحالات، وهو ما يزيد من معاناة المرضى الذين يكونون في أمس الحاجة إلى استرجاع جزء من المصاريف التي تكبدوها.
ويرى متابعون أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية يقتضي الذهاب إلى إصلاحات أعمق، في مقدمتها مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية بما يعكس الأسعار الحقيقية المعتمدة اليوم لدى الأطباء والمصحات والمختبرات والصيدليات، مع الحرص على تحقيق توازن بين استدامة أنظمة التأمين وضمان حماية فعلية للمؤمن لهم.
كما يدعو مهنيون وجمعيات إلى مراجعة نسب التعويض في بعض الخدمات الطبية والأدوية، خاصة تلك المرتبطة بالأمراض المزمنة والخطيرة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتسريع معالجة الملفات، وتعزيز الشفافية في كيفية احتساب التعويضات، حتى يتمكن المؤمن له من معرفة الأسس التي بني عليها المبلغ المسترجع.
ويبقى ورش الحماية الاجتماعية أحد أكبر المشاريع الإصلاحية التي انخرط فيها المغرب خلال السنوات الأخيرة، غير أن نجاحه لا يقاس فقط بتوسيع قاعدة المستفيدين، وإنما أيضاً بمدى قدرة النظام على توفير حماية مالية حقيقية عند المرض. فكلما اتسعت الفجوة بين كلفة العلاج وقيمة التعويض، تراجع الإحساس بفعالية التغطية الصحية، واستمرت الأسر في تحمل أعباء ثقيلة قد تؤثر على أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.
إن الانتظارات اليوم تتجه نحو تسريع الإصلاحات المعلن عنها، ومراجعة الإطار المرجعي للتعويضات بما ينسجم مع الواقع الحالي، حتى يصبح الحق في العلاج مقروناً بحماية اجتماعية فعالة، ويحقق هذا الورش الوطني الهدف الذي أُطلق من أجله، وهو تخفيف العبء المالي عن المواطنين وضمان ولوج منصف ومستدام إلى الخدمات الصحية.






