موسم القنص 2026-2027: بين تفاؤل الأرقام الرسمية وفوضى السلاح والمحميات الخاصة بـ”علية القوم”

في الوقت الذي يستعد فيه آلاف المغاربة لارتداء بدلاتهم وحمل بنادقهم إيذاناً بانطلاق موسم القنص الجديد، تبرز إلى الواجهة مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي الذي يبشر بـ”حكامة حديثة ومستدامة”، وبين واقع ميداني مقلق يشهد تجاوزات خطيرة تهدد الأمن الاجتماعي، وتكرس الطبقية في استغلال الثروات الطبيعية للبلاد.
واجهة رسمية بأرقام خضراء
أعلن المجلس الأعلى للقنص، عقب دورته العادية، عن تحديد يوم الأحد 4 أكتوبر 2026 موعداً للافتتاح الرسمي لموسم القنص 2026-2027، فيما تقرر افتتاح موسم قنص اليمام يوم الجمعة 24 يوليوز 2027. وقد استعرض المجلس، بلغة الأرقام المريحة، حصيلة اعتبرها إيجابية تندرج ضمن استراتيجية “غابات المغرب 2020-2030”.
وتشير المعطيات الرسمية إلى مشاركة أكثر من 65 ألف قناص محلي ونحو 5 آلاف قناص سياحي، مع تحسن طفيف في حصيلة الطرائد (1.58 حجلة لكل قناص يومياً). كما أشاد المجلس بارتفاع عدد المجالات المؤجرة إلى 1737 مجالاً تمتد على 4.39 ملايين هكتار، وإطلاق 178 ألف حجلة لتعزيز المخزون، ناهيك عن تنظيم 1414 عملية إحاشة أسفرت عن اصطياد 6339 خنزيراً برياً. وتوجت هذه المنجزات، حسب البلاغ، بتعميم المنصة الرقمية “AmodiaChasse” لتبسيط المساطر الإدارية.
رخص الصيد وفوضى السلاح: أين وزارة الداخلية؟
لكن، وراء هذه الواجهة الرقمية المنظمة، يختبئ واقع يثير الكثير من التساؤلات حول كيفية تسليم رخص الصيد وحمل السلاح. فالقانون يفرض شروطاً صارمة لامتلاك بندقية صيد، إلا أن الواقع يكشف عن وجود أشخاص يمتلكون أسلحة نارية رغم سجلاتهم المليئة بالمخالفات، مما يشكل تهديداً مباشراً وصريحاً للأمن الاجتماعي.
الخطير في الأمر هو تحول بنادق الصيد في بعض المناطق إلى أدوات للاستعراض والتخويف. فقد بات مألوفاً، وبشكل مقلق، استعمال الرصاص في الدواوير، وعلى جنبات الطرق، بل وحتى في الحفلات والأعراس، في خرق سافر للقانون الذي يقيد استعمال هذا السلاح حصراً داخل مجالات القنص المرخصة وفي أوقات محددة.
وأمام هذا العبث، يتساءل الرأي العام بحدة: لماذا لم تفعل وزارة الداخلية، بصفتها الجهة الوصية على الأمن الداخلي، مسطرة سحب رخص الصيد وتجريد المخالفين من أسلحتهم؟ إن التساهل مع مستعملي الأسلحة النارية خارج الإطار القانوني لا يعكس فقط ضعفاً في المراقبة، بل ينذر بكوارث أمنية واجتماعية لا تحمد عقباها.
محميات النفوذ والقنص الجائر: جهة فاس-مكناس نموذجاً
إذا كانت الأرقام الرسمية تتحدث بافتخار عن 1737 مجالاً مؤجراً لحماية التنوع البيولوجي، فإن نظرة عن قرب، لاسيما في جهة فاس-مكناس التي تزخر بثروة غابوية هائلة، تكشف وجهاً آخر لهذه “المحميات”.
لقد تحولت العديد من هذه المجالات المؤجرة، التي تمتد على آلاف الهكتارات، إلى “نوادٍ مغلقة” وملاذات آمنة لذوي النفوذ والمقربين وأصحاب العلاقات. يتم تسييج مساحات شاسعة من الملك الغابوي المشترك، ليُمنع منها المواطن البسيط أو القناص العادي، وتُحتكر لصالح فئة محظوظة تمارس هوايتها بعيداً عن أية محاسبة دقيقة.
وفي ظل هذا التفاوت، يستشري داء “القنص الجائر” بشكل مهول. ففي الوقت الذي تُغلق فيه المحميات في وجه الأغلبية، يعمد الكثيرون إلى استنزاف الوحيش في المجالات المفتوحة ليلاً ونهاراً، باستخدام أساليب محظورة وبدون احترام لفترات التكاثر البيولوجي، مما ينسف كل جهود الوكالة الوطنية للمياه والغابات في الحفاظ على التوازنات البيئية.
لا يمكن إنكار الجهود المؤسساتية لتحديث قطاع القنص في المغرب، والشراكات المبرمة مع الجامعة الملكية المغربية للقنص لتكوين القناصين وتأهيل الموائل. غير أن هذه الجهود ستظل قاصرة ما لم تقترن بإرادة سياسية وأمنية حازمة لضبط فوضى السلاح، وتطبيق القانون بصرامة عبر سحب الرخص من المخالفين، وتفكيك احتكار المحميات الذي يكرس الريع. إن حماية التنوع البيولوجي تبدأ أولاً بحماية المجتمع من السلاح المنفلت، وضمان تكافؤ الفرص في استغلال ثروات الوطن.






