سياسة

هل فشلت الحكومة في تنزيل ورش الحماية الاجتماعية؟ ملايين المغاربة بين الوعود المؤجلة وتعقيدات الواقع

بعد مرور سنوات على إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي قدم باعتباره أحد أكبر المشاريع الاجتماعية في تاريخ المغرب، بدأت تساؤلات عديدة تفرض نفسها بقوة: هل نجحت الحكومة فعلا في تنزيل هذا الورش الاستراتيجي؟ أم أن الواقع كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن يوميا؟

ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري عن المرض والدعم الاجتماعي، تكشف المعطيات والتقارير التقييمية أن ملايين المغاربة ما زالوا يواجهون عراقيل حقيقية تحول دون استفادتهم الفعلية من هذا الحق الدستوري، سواء بسبب التعقيدات الإدارية، أو ضعف القدرة على أداء الاشتراكات، أو غياب الخدمات الصحية الكافية، أو بسبب إقصاء عدد من الفئات الهشة من منظومة الاستفادة.

وما يزيد من حدة الانتقادات أن القانون الإطار رقم 09.21 حدد نهاية سنة 2025 موعدا لاستكمال تعميم التغطية الصحية على جميع المواطنين، غير أن هذا الأجل انقضى دون بلوغ الأهداف المعلنة، وهو ما جعل عددا من المتابعين يعتبرون أن تنزيل الورش لم يواكب الطموحات التي رافقت انطلاقه.

مواطنون بين الإدارات والمنصات الرقمية… والنتيجة “الملف قيد الدراسة”

تحول الحصول على الحق في العلاج بالنسبة لعدد كبير من المغاربة إلى رحلة طويلة بين الإدارات والمنصات الرقمية والمصالح المختصة، حيث يشتكي آلاف المواطنين من بطء معالجة الملفات، وتعذر تحيين المعطيات، وصعوبة التواصل مع الجهات المعنية.

وتتكرر الشكاوى من رفض طلبات الاستفادة أو تعليقها دون تقديم تفسيرات واضحة، بينما يجد آخرون أنفسهم مطالبين بإعادة إيداع الوثائق أكثر من مرة، أو انتظار أشهر طويلة قبل التوصل بأي جواب، في وقت تتطلب أوضاعهم الصحية تدخلا عاجلا.

وأمام هذا الواقع، أصبح كثير من المواطنين يتساءلون عن جدوى التسجيل في منظومة الحماية الاجتماعية إذا كان الولوج إلى الخدمات ما يزال محفوفا بالعراقيل.

بطاقة التأمين لا تعني العلاج

ورغم اتساع قاعدة المنخرطين، فإن عددا مهما من المسجلين لا يستطيعون الاستفادة من الخدمات الصحية بسبب ما يعرف بـ”إغلاق الحقوق”، الناتج عن عدم أداء الاشتراكات أو اختلالات في التصريح أو مشاكل مرتبطة بالوضعية الإدارية.

وبذلك، أصبح آلاف المواطنين يحملون بطاقة التأمين الصحي، لكنهم يفاجؤون عند ولوج المستشفى أو المصحة بعدم إمكانية الاستفادة من العلاج، وهو ما خلق حالة من الإحباط وفقدان الثقة في المنظومة الجديدة.

الفئات الهشة… مطالبة بأداء اشتراكات تفوق إمكانياتها

من بين أبرز الاختلالات التي كشفتها التقارير، استمرار معاناة العمال غير الأجراء، والحرفيين، والباعة المتجولين، وعدد كبير من العاملين في القطاع غير المهيكل، الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بأداء اشتراكات شهرية رغم هشاشة مداخيلهم وعدم استقرارها.

وتؤكد المعطيات أن نسبة مهمة من هذه الفئات غير قادرة على الالتزام بأداء واجبات الاشتراك، ليس رفضا للانخراط، وإنما بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى ملاءمة نظام الاشتراكات مع الواقع الاجتماعي لفئات تعيش أصلا أوضاعا هشة.

نساء خارج دائرة الحماية

كما لا تزال آلاف النساء خارج دائرة الاستفادة، خصوصا العاملات في القطاع غير المهيكل، والعاملات الموسميات في الفلاحة، والمطلقات والأرامل.

فهؤلاء يجدن أنفسهن في كثير من الأحيان محرومات من التغطية الصحية بعد انتهاء الاستفادة المرتبطة بالزوج، أو نتيجة عدم القدرة على تحمل الاشتراكات، أو بسبب معايير رقمية لا تعكس حقيقة أوضاعهن الاجتماعية.

ويرى متابعون أن هذه الحالات تكشف الحاجة إلى مراجعة آليات الاستهداف حتى تصبح أكثر إنصافا وإنسانية.

عدالة صحية غائبة

ولا تتوقف الإشكالات عند التسجيل فقط، بل تمتد إلى غياب العدالة في توزيع الخدمات الصحية.

ففي الوقت الذي تستفيد فيه بعض الجهات من كثافة في الأطباء والتجهيزات والمستشفيات، تعاني جهات أخرى خصاصا حادا في الموارد البشرية الصحية، ما يضطر المرضى إلى التنقل لمسافات طويلة من أجل إجراء فحص أو عملية جراحية أو الحصول على موعد مع طبيب مختص.

وهذا الواقع يطرح سؤالا أساسيا: ما جدوى التغطية الصحية إذا كان العرض الصحي نفسه غير متوفر؟

غموض يربك المواطنين

وتواجه الحكومة أيضا انتقادات بسبب ضعف التواصل مع المواطنين، خاصة فيما يتعلق بأسباب رفض طلبات الدعم الاجتماعي المباشر، ومعايير مراجعة ملفات المستفيدين السابقين من نظام “راميد”، وآليات احتساب مؤشرات السجل الاجتماعي الموحد.

ويؤكد كثير من المواطنين أنهم لا يحصلون على أجوبة واضحة، ولا يعرفون أسباب الإقصاء أو كيفية تصحيح أوضاعهم، وهو ما ساهم في اتساع دائرة الشكاوى وفقدان الثقة.

ورش ملكي يحتاج إلى تنزيل أكثر نجاعة

لا أحد يجادل في أهمية ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره مشروعا ملكيا استراتيجيا يروم تعزيز العدالة الاجتماعية وضمان كرامة المواطن، غير أن نجاحه يبقى رهينا بحسن التنزيل، وتوفير الإمكانيات البشرية والمالية، وتبسيط المساطر، وتحقيق العدالة المجالية، وضمان استفادة فعلية لجميع الفئات المستهدفة.

فالمواطن لا يقيس نجاح الإصلاحات بعدد البلاغات أو الإحصائيات، بل بما يلمسه داخل المستشفى، وعند شباك الإدارة، وفي سرعة معالجة ملفه، وفي قدرته على العلاج دون عراقيل أو انتظار.

واليوم، ومع استمرار شكاوى المواطنين، وبروز اختلالات مرتبطة بالاستهداف والاشتراكات وإغلاق الحقوق والتفاوت في العرض الصحي، يبدو أن ورش الحماية الاجتماعية يقف أمام مرحلة دقيقة تستوجب مراجعة شاملة لآليات التنزيل، حتى لا يتحول أحد أهم الأوراش الاجتماعية في المغرب إلى مشروع لم يحقق بعد الأثر الذي كان ينتظره ملايين المغاربة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى