اقتصاد

بأسطول ضخم من الجرافات والشاحنات.. الوالي خالد آيت الطالب و”فاس الجهة للتهيئة” يُسقطان “المارشي سنطرال” في أقل من 48 ساعة.. وفاس تطوي صفحة الأوراش المتعثرة

لم يكن إسقاط بناية السوق المركزي “المارشي سنطرال” بوسط مدينة فاس مجرد عملية هدم لبناية تجاوزها الزمن، بل شكل مؤشراً عملياً على التحول الذي تعرفه المدينة في تدبير الأوراش الكبرى، بعدما نجحت شركة فاس الجهة للتهيئة، تحت الإشراف المباشر لولاية جهة فاس ـ مكناس، في إنهاء واحدة من أكثر عمليات الهدم تعقيداً في قلب العاصمة العلمية خلال أقل من 48 ساعة، في ورش اشتغل دون توقف ليلاً ونهاراً، وبإيقاع ميداني غير مسبوق.

العملية، التي استأثرت باهتمام واسع من طرف ساكنة المدينة، كشفت عن مستوى جديد في تدبير المشاريع العمومية، بعدما جرى تسخير أسطول كبير من الجرافات والآليات الثقيلة وعشرات الشاحنات، إلى جانب فرق من المهندسين والتقنيين والأطر المختصة والعمال، الذين واصلوا الاشتغال بشكل متواصل حتى إسقاط آخر جزء من البناية، مع رفع آلاف الأطنان من مخلفات الهدم والركام في وقت قياسي، ودون تسجيل أي توقف أو ارتباك، رغم أن الورش يوجد في واحدة من أكثر النقط حيوية واكتظاظاً بمدينة فاس.

ولم يكن الرهان في هذا المشروع هو سرعة الهدم فقط، بل ضمان استمرار الحركة بوسط المدينة، وتقليص تأثير الأشغال على التجار والمرتفقين ومستعملي الطريق، وهو ما تحقق بفضل خطة ميدانية دقيقة، اعتمدت على توزيع محكم للآليات والموارد البشرية، وتنظيم متواصل لحركة نقل الأنقاض، بما مكن من إنهاء العملية في زمن قياسي اعتبره متابعون سابقة في تاريخ الأوراش الحضرية بالعاصمة العلمية.

من ورش للهدم إلى انطلاق مشروع استراتيجي

بانتهاء عملية الهدم، تكون مدينة فاس قد فتحت صفحة جديدة في مسار إعادة تأهيل أحد أهم فضاءاتها التجارية، حيث تستعد شركة فاس الجهة للتهيئة للشروع في إنجاز سوق مركزي جديد، سيعيد رسم ملامح وسط المدينة ويمنح شارع محمد الخامس واحداً من أبرز مشاريعه العمرانية.

ووفق الورقة التقنية للمشروع، فإن السوق الجديد سينجز باستثمار يناهز 90 مليون درهم، وسيضم 73 محلاً تجارياً، و29 فضاءً للمطاعم والمقاهي، إضافة إلى مستويين تحت أرضيين يضمان مرآباً يتسع لحوالي 240 سيارة، فضلاً عن ممرات حديثة، ومصاعد، وتجهيزات تراعي معايير الولوج والسلامة، مع المحافظة على الانسجام المعماري مع محيط المشروع، بما يجعل السوق فضاءً تجارياً عصرياً يليق بمكانة العاصمة العلمية.

ولا يتعلق الأمر ببناء سوق جديد فحسب، بل بإعادة الاعتبار لواحد من أهم الفضاءات الاقتصادية بقلب المدينة، وتحويله إلى قطب تجاري حديث يواكب التحولات التي تعرفها فاس في إطار مشاريع التأهيل الحضري.

رسالة واضحة.. زمن تعثر الأوراش انتهى

ما وقع في “المارشي سنطرال” لم يكن مجرد نجاح تقني، بل رسالة عملية تؤكد أن مدينة فاس دخلت مرحلة جديدة في تدبير المشاريع الكبرى، عنوانها احترام الآجال، والحسم في التنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج.

فالورش الذي كان ينتظر كثيرون أن يمتد لأسابيع، انتهى في أقل من يومين، بفضل التخطيط المسبق، والجاهزية اللوجستية، والتنسيق الدقيق بين مختلف المتدخلين، والتتبع الميداني المستمر.

ويعتبر متابعون أن هذا النموذج يعكس التحول الذي تعرفه الأوراش التي تشرف عليها شركة فاس الجهة للتهيئة، والتي أصبحت تعتمد مقاربة تقوم على النجاعة، والسرعة، وجودة التنفيذ، والقطع مع ثقافة الانتظار والتماطل التي ظلت لسنوات تلاحق عدداً من المشاريع العمومية.

“فاس الجهة للتهيئة”.. الذراع التنفيذي الذي يقود التحول العمراني

وخلال الشهور الأخيرة، أصبحت شركة فاس الجهة للتهيئة الفاعل التنفيذي الأول في عدد من المشاريع المهيكلة بالعاصمة العلمية، باعتبارها الذراع التنفيذي لوزارة الداخلية وولاية جهة فاس ـ مكناس، حيث تشرف على إنجاز وتتبع مجموعة من الأوراش التي غيرت تدريجياً ملامح المدينة.

وتتوزع هذه المشاريع بين إعادة تأهيل المحاور الطرقية، وتجديد الساحات العمومية، وتوسيع المساحات الخضراء، وإعادة تهيئة الفضاءات التجارية و الرياضية، وتأهيل المرافق الحضرية، وتحسين البنية التحتية، وهي مشاريع لم تعد حبيسة الدراسات أو الوعود، بل تحولت إلى أوراش مفتوحة تعرف تقدماً متواصلاً على أرض الواقع.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في المرحلة الحالية هو أن فاس، التي كانت توصف لسنوات بأنها مدينة تفتقر إلى الفضاءات الخضراء مقارنة بحجمها ومكانتها، أصبحت تعرف إنجاز حدائق جديدة، وإعادة تأهيل عدد من المنتزهات والساحات، إلى جانب مشاريع التشجير وتحسين المشهد الحضري، بما ينسجم مع متطلبات مدينة تستعد لمرحلة جديدة من التنمية.

كفاءات مغربية تقود الأوراش من الميدان

وراء هذه الدينامية تقف كفاءات وطنية من المهندسين والمعماريين والتقنيين والأطر المختصة سخرتهم شركة فاس الجهة للتهيئة، التي تواكب تفاصيل الأوراش ميدانياً، وتعمل وفق برامج زمنية دقيقة، مع مراقبة مستمرة لمراحل الإنجاز واحترام معايير الجودة.

ولم تعد المشاريع تنجز بمنطق التدخلات الظرفية، بل وفق رؤية تقنية متكاملة، تجعل من كل ورش حلقة ضمن مشروع شامل لإعادة تأهيل العاصمة العلمية، وتحسين جودة فضاءاتها ومرافقها.

خالد آيت الطالب.. تتبع ميداني ودفع متواصل للأوراش

ويبرز في هذا السياق الدور الذي يضطلع به والي جهة فاس ـ مكناس خالد آيت الطالب، الذي جعل من التتبع الميداني للأوراش خياراً ثابتاً، من خلال زيارات متواصلة لمواقع المشاريع، وعقد اجتماعات دورية مع مختلف المتدخلين لتقييم نسب الإنجاز، وتجاوز الإكراهات، وضمان احترام الآجال المحددة.

هذا الحضور الميداني، إلى جانب التنسيق المستمر مع شركة فاس الجهة للتهيئة وباقي المؤسسات المعنية، ساهم في إعطاء دفعة قوية لعدد من المشاريع التي تعرفها المدينة، ورسخ ثقافة جديدة قوامها الإنجاز بدل الانتظار، والحسم بدل التأجيل.

رؤية وهندسة ملكية تقود التحول

وتأتي هذه الدينامية في سياق الورش الوطني الكبير الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس، والرامي إلى تأهيل المدن المغربية والرفع من تنافسيتها، في إطار الاستعدادات التي تعرفها المملكة لاحتضان كأس العالم 2030، وما يرافقها من تحديث للبنيات التحتية، وتأهيل الفضاءات العمومية، وتحسين جودة الخدمات والمرافق.

وتعد فاس واحدة من المدن التي تشهد اليوم وتيرة متسارعة في إنجاز المشاريع، انسجاماً مع هذه الرؤية الملكية، حيث أصبح الرهان لا يقتصر على إنجاز مشاريع متفرقة، بل يتعلق بإعادة صياغة المشهد الحضري للمدينة وفق معايير حديثة تجعلها أكثر جاذبية للاستثمار والسياحة والعيش.

ولذلك، فإن ما تحقق في ورش “المارشي سنطرال” لا يمكن اختزاله في إسقاط بناية قديمة، بل يمثل عنواناً لمرحلة جديدة تعيشها العاصمة العلمية؛ مرحلة عنوانها الحكامة، والتدبير الميداني، وسرعة الإنجاز، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.

لقد أثبتت عملية الهدم، بما رافقها من تعبئة غير مسبوقة لأسطول الآليات والموارد البشرية، أن الأوراش الكبرى يمكن أن تنجز في آجال قياسية متى توفرت الإرادة، والتخطيط، والمتابعة اليومية، وهو ما يجعل من هذا الورش نموذجاً لما ينتظر مدينة فاس خلال السنوات المقبلة، وهي تواصل تنفيذ مشاريعها المهيكلة استعداداً لمستقبل عمراني وتنموي جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى