سياسة

هدوءٌ خادع قبل العاصفة.. أحزاب الأغلبية بفاس على فوهة بركان انتخابي، وتحالفات الظل تُنذر بمفاجآت مدوية في تشريعيات 2026

في السياسة، ليست كل المعارك تُخاض أمام عدسات الكاميرات، وليست كل الابتسامات التي تُلتقط في الاجتماعات الحزبية تعكس حقيقة ما يجري داخل التنظيمات. فقبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، تبدو مدينة فاس وكأنها تعيش حالة من الهدوء التنظيمي، غير أن هذا الهدوء ليس سوى الذي يسبق العاصفة و غطاء يخفي تحته صراعات عميقة، واصطفافات جديدة، وتحالفات تُنسج بعيداً عن الأضواء، قد تنتهي بإعادة رسم الخريطة السياسية للمدينة والجهة.

ومن يقرأ المشهد من الخارج قد يعتقد أن أحزاب الأغلبية الحكومية، المتمثلة في التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، تدخل الاستحقاقات المقبلة بثقة كبيرة، مستندة إلى مواقعها المؤسساتية وإمكانياتها التنظيمية. لكن القراءة المتأنية لما يجري في الكواليس تكشف أن هذه الأحزاب تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية، وأن ما يُطبخ داخلها قد يكون أخطر بكثير مما تُعده لها الأحزاب المنافسة.

الخطر الحقيقي ليس في المعارضة… بل داخل البيت الواحد

التجارب الانتخابية المغربية أثبتت مراراً أن الأحزاب لا تُهزم دائماً على يد خصومها، بل كثيراً ما تسقط بسبب خلافاتها الداخلية. وهذا ما يبدو أنه يتكرر اليوم بفاس.

فالأسابيع الأخيرة شهدت تصاعداً لحدة التنافس حول التزكيات، وتضارباً في الحسابات، وظهور تيارات متصارعة داخل الحزب الواحد، وكل طرف يعتبر نفسه الأحق بقيادة المرحلة المقبلة. وبين الطموحات الشخصية، والحسابات المحلية، وتوازنات المصالح،و غياب الموضوعية و الثقة في الساسة و الإقصاء الممنهج، بدأت ملامح أزمة داخلية تتشكل بصمت، لكنها قد تنفجر مع  قرب الإستحقاقات.

الخطورة لا تكمن فقط في تعدد الراغبين في فرض أسمائهم، بل في أن جزءاً من هؤلاء لن يقبل بسهولة بقرارات القيادة التي قررت إقصائهم بدون موجب حق، وهو ما قد يدفع إلى ردود فعل سياسية غير متوقعة.

الغاضبون داخل أحزاب الأغلبية… القنبلة الموقوتة

إذا كانت أحزاب المعارضة تتهيأ لاستغلال أي تعثر للأغلبية، فإن الخطر الأكبر الذي يهدد هذه الأخيرة لا يأتي من خارجها، بل من داخلها.

ففي الكواليس، يتزايد عدد القيادات المحلية والمنتخبين والمناضلين الذين يشعرون بالتهميش أو الإقصاء، سواء بسبب طريقة تدبير التزكيات أو بسبب خلافات تراكمت منذ الانتخابات السابقة. و بسبب الكولسة التي يقودها بعض المنسقين الإقليميين و تفظيل طرف على الأخر، هؤلاء لا يرفعون أصواتهم في الاجتماعات، لكنهم يتحركون بهدوء، ويعيدون ترتيب مواقعهم بعيداً عن الأضواء.

وتشير مؤشرات سياسية إلى أن عدداً من الغاضبين شرعوا بالفعل في نسج علاقات مع أحزاب أخرى، فيما اختار آخرون الانخراط في تكتلات انتخابية جديدة داخل تنظيمات منافسة استطاعت استقطابهم، مستفيدة من خبرتهم، وشبكاتهم المحلية، وقدرتهم على التأثير في الكتلة الناخبة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن انتقال شخصيات تمتلك امتداداً انتخابياً من حزب إلى آخر لا يعني فقط تغيير الانتماء السياسي، بل قد يؤدي إلى انتقال جزء مهم من الأصوات، وإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدوائر الانتخابية.

بل إن بعض هؤلاء الغاضبين لا يخفون، في دوائرهم الضيقة، رغبتهم في معاقبة مرشحين داخل أحزابهم السابقة، معتبرين أن ما تعرضوا له من إقصاء أو تهميش يستوجب رداً سياسياً في صناديق الاقتراع. وفي مثل هذه الحالات، تصبح المعركة شخصية بقدر ما هي حزبية، ويصبح الهدف إسقاط أسماء بعينها أكثر من تحقيق مكاسب لحزب معين.

وهذا السيناريو، إذا اتسع نطاقه، قد يكون أحد أبرز مفاتيح المفاجآت المنتظرة في فاس.

الثقة المفرطة… خطأ قد يُكلف كثيراً

وسط هذه التحولات، ما يزال بعض الفاعلين السياسيين يتصرفون وكأن قواعد اللعبة لم تتغير، ويعتقدون أن دوائرهم الانتخابية ما زالت تحت السيطرة، وأن رصيدهم الانتخابي كافٍ لضمان العبور إلى البرلمان،مع العلم أن هناك من يفتقد الى تجربة واسعة لتدبير الإنتخابات على نطاق واسع وسط منافسة شرسة وسط الأغلبية ذاتها أو المعارضة التي ترس صفوفها لمواجهة “الحيتان”.

غير أن السياسة لا تعترف بالذكريات، ولا تكافئ على الإنجازات الماضية وحدها. فالناخب اليوم أكثر وعياً، وأكثر ميلاً إلى تقييم الحصيلة، وأقل استعداداً لمنح صوته انطلاقاً من الولاءات التقليدية.

ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي مرشح هو أن يستهين بما يجري في الكواليس، أو أن يعتقد أن الغضب الداخلي لن ينعكس على نتائج الاقتراع.

تحالفات الظل… حين تختفي الإيديولوجيا وتحضر المصلحة الانتخابية

بعيداً عن الخطابات الرسمية، تتحرك شخصيات سياسية وفاعلون محليون لإعادة تركيب المشهد الانتخابي. فالمفاوضات الجارية لا تقوم دائماً على التقارب الفكري، وإنما على حسابات دقيقة هدفها تغيير موازين القوى.

وقد تشهد الأيام المقبلة الإعلان عن اصطفافات لم تكن متوقعة، وربما انتقال أسماء وازنة بين الأحزاب، أو تقديم دعم غير مباشر لمرشحين من خارج التنظيم الأصلي، في مشهد يعكس أن الانتخابات المقبلة ستكون معركة نفوذ أكثر منها منافسة تقليدية.

فاس… مدينة تُسقط الحسابات الجاهزة

من يعتقد أن نتائج الانتخابات في فاس يمكن توقعها بسهولة، لا يقرأ تاريخ المدينة جيداً.

فالناخب الفاسي ظل، في أكثر من محطة، قادراً على قلب المعادلات، وإسقاط أسماء كانت تعتبر نفسها في مأمن، ومنح ثقته لوجوه لم تكن ضمن الترشيحات الأقوى.

واليوم، تبدو كل السيناريوهات مفتوحة، خاصة في الدائرتين الشمالية والجنوبية، حيث تتشابك الاعتبارات التنظيمية مع الحسابات الشخصية والتحالفات المحلية، في معركة قد تُحسم بفارق مئات الأصوات فقط.

الأسابيع المقبلة… مرحلة كسر العظام السياسية

ما يجري حالياً ليس مجرد استعداد روتيني للانتخابات، بل هو إعادة تشكيل للخريطة السياسية من الداخل. وكل يوم يمر يحمل معه معطيات جديدة، واجتماعات مغلقة، واتصالات مكثفة، ومحاولات لاستمالة شخصيات مؤثرة قبل إغلاق اللوائح بشكل نهائي.

ولهذا، فإن من يعتقد أن الأمور حُسمت سلفاً، أو أن الأغلبية تدخل الانتخابات من موقع القوة المطلقة، قد يفاجأ بنتائج مغايرة تماماً.

فالانتخابات لا تُربح فقط بعدد المقرات أو قوة التنظيم، وإنما تُحسم أيضاً بمدى تماسك الحزب من الداخل. وإذا كان الخصم الخارجي معروفاً، فإن الخصم الداخلي يكون، في كثير من الأحيان، أكثر قدرة على إحداث الضرر.

فاس تقف اليوم أمام استحقاق سياسي استثنائي. فالمواجهة لم تعد فقط بين الأغلبية والمعارضة، بل أصبحت أيضاً داخل أحزاب الأغلبية نفسها، حيث تتقاطع الطموحات مع الخلافات، وتتصادم الحسابات مع الولاءات.

وقد تكون المفاجأة الأكبر في 23 شتنبر 2026 أن بعض مرشحي الأغلبية لن يسقطوا بأصوات المعارضة، وإنما بأصوات الغاضبين الذين غادروا سفينة أحزابهم، أو قرروا البقاء داخلها مع العمل بصمت على تغيير موازين القوى. وفي السياسة، كثيراً ما يبدأ الزلزال من شقوق صغيرة لا ينتبه إليها أحد… حتى لحظة الانفجار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى