قضايا

زلزال الافتحاص يستنفر «الداخلية».. صفقات وهمية على الورق وتبادل «المنافع» بين رؤساء الجماعات يبددان 13.5 مليار سنتيم

وضعت وزارة الداخلية، وتحديداً المديرية العامة للجماعات الترابية، يدها على عش دبابير حقيقي داخل العشرات من المجالس الجماعية (الحضرية والقروية)، بعد تفجر فضائح صفقات استثمارية متعثرة، تحولت إلى مجرد “مشاريع على الورق” التهمت ميزانيات ضخمة دون أي أثر ميداني يذكر، مما يعيد بقوة شبهات الفساد المالي وتضارب المصالح إلى واجهة التدبير المحلي بالمملكة.

وتشير المعطيات المتقاطعة إلى صدور تعليمات صارمة ومستعجلة من المصالح المركزية إلى الإدارات الترابية بعمالات وأقاليم أربع جهات كبرى؛ وهي: فاس-مكناس، الدار البيضاء-سطات، الرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، قصد مباشرة عمليات افتحاص محاسباتية وجبائية وميدانية واسعة النطاق لمصالح الصفقات، بهدف رصد مآل اعتمادات مالية ضخمة تبخرت في مشاريع فك العزلة والبنيات التحتية دون أن تتجاوز نسبة إنجاز بعضها ثلث ما هو مسطر لها.

مشاريع وهمية وتلاعب بالمليارات

الاختلالات المرصودة من خلال هذه الرقابة الصارمة لم تقف عند عتبة العجز التقني أو البيروقراطي، بل تخطته إلى شبهات جنائية خطيرة تتعلق بـ”التلاعب والتدليس”. وثائق الافتحاص كشفت أن اعتمادات مبرمجة تجاوزت 135 مليون درهم (أزيد من 13.5 مليار سنتيم) رُصدت لسنوات دون تنفيذ فعلي، والأخطر من ذلك هو رصد صفقات جرى تقييمها واستخلاص مبالغها وهي لم تبارح مكاتب التصاميم، مما يعد تبديداً موصوفاً للمال العام واستهتاراً بحاجيات المواطنين في المناطق التي تعاني خصاصاً مهولاً في الخدمات الأساسية.

وربطت التقارير الأولية هذا الشلل التنموي بغياب الرؤية الاستراتيجية لدى سلطات التدبير المحلي، والارتجالية في صياغة المشاريع، مما جعل المخصصات المالية الوفيرة تقع لقمة سائغة في يد “المنتخبين النافذين” عوض أن توجه لفك العزلة عن الساكنة.

التحايل على القانون.. شركات العائلات والتهريب المقنع للera

ولعل القصف الحقيقي الذي تحمله هذه التحقيقات يكمن في تعرية “الهندسة الإجرامية” التي يعتمدها بعض مسؤولي الجماعات للالتفاف على تضارب المصالح والتحايل على قواعد المنافسة الشريفة. فقد كشفت عمليات تقاطع البيانات الرقمية بين المنصة الوطنية لتتبع الصفقات، والخزينة العامة، والمديرية العامة للضرائب، عن أسلوبين قذرين سادا لسنوات:

  • أولاً: مقاولات “الأقارب والأصهار”: حيث يعمد رئيس الجماعة أو نوابه إلى تأسيس شركات بأسماء معارفهم أو أفراد من عائلاتهم، ويتم تفصيل دفاتر التحملات على مقاس هذه الشركات عبر وضع شروط إقصائية ومجحفة تطرد المقاولات المنافسة الجادة، لتمرر الصفقة خارج أي منافسة حقيقية.

  • ثانياً: “كارتل” تبادل الصفقات العابر للجماعات: في ممارسة بلغت ذروة الوقاحة السياسية، انخرط مسؤولو جماعات متفرقة في شبكة لتبادل المصالح والمنافع؛ حيث يمرر رئيس الجماعة (أ) صفقة مشبوهة لشركة مملوكة في الخفاء لرئيس الجماعة (ب)، وفي المقابل يقوم رئيس الجماعة (ب) بتمرير صفقة مماثلة لشركة تابعة لرئيس الجماعة (أ) داخل نفوذه الترابي. الهدف هنا هو التهرب من المسؤولية المباشرة والمحاسبة القانونية وتفادي مقتضيات العزل المرتبطة بتضارب المصالح المعاقب عليها قانوناً.

المقاربة الرقمية والجبائية.. ساعة الحساب دقت

الجديد والحاسم في هذه الموجة التطهيرية هو اعتماد وزارة الداخلية على “التقاطع الثلاثي الرقمي” (صفقات، خزينة، ضرائب)، مما يعني إغلاق كل منافذ التبرير والتملص أمام هؤلاء المسؤولين. التقارير المفصلة الجاري إعدادها لن تكون مجرد وثائق للحفظ، بل ستكون بمثابة صكوك اتهام جاهزة ستُحال مباشرة على القضاء المالي والإداري، لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية؛ بما فيها العزل والمتابعة القضائية.

إن فضح هذه “الحيتان المحلية” التي تقتات على صفقات وهمية وتبادل المنافع يفرض اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تسريع وتيرة المحاسبة، لإنهاء زمن التسيب والاستثمار الشخصي لمنتخبين حولوا الجماعات الترابية إلى ضيعات خاصة لمراكمة الثروات على حساب جيوب المواطنين وأوجاع المناطق المحرومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى