قضايا

تعثر مشاريع ثقافية بمدينة فاس يثير تساؤلات حول النجاعة والالتقائية التنموية

لم تعد مظاهر التعثر في المشاريع الثقافية بمدينة فاس مجرد ملاحظات عابرة، بل تحولت إلى معطى بنيوي يطرح أسئلة حقيقية حول جدوى السياسات العمومية في قطاع يفترض أن يكون في صلب الإقلاع التنموي. فبين الوعود الرسمية والتصاميم المعروضة على اللوحات الإشهارية، تقف المدينة اليوم أمام واقع مقلق عنوانه: بطء، ارتباك، وغموض في تدبير أوراش كبرى.

في قلب هذا الجدل، يبرز مشروع القطب الثقافي لمدينة فاس، الذي يُنجز في إطار شراكة تضم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وولاية جهة فاس-مكناس، ومجلس الجهة، مع تكليف الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة (ANEP) كصاحب مشروع منتدب. المشروع الذي حُددت مدة إنجازه في 24 شهراً منذ 12 ماي 2023، يُفترض أن يشكل نقلة نوعية في البنية الثقافية للمدينة، غير أن وتيرة الأشغال على أرض الواقع لا تعكس هذا الطموح و تظهر تعثرا كبيرا و أن مرور ثلاث سنوات على بداية الإنجاز و لم تلتزم الوكالة لما قدمته في دفتر التحملات و المشروع متوقف و بقي كالأطلال على حاله بشارع رئيسي لمدخل وسط المدينة.

المشكل لا يقف عند حدود التأخر، بل يتجاوز ذلك إلى نمط متكرر يطبع عدداً من المشاريع التي تشرف عليها الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة (ANEP)، حيث يُسجل متتبعون اختلالات مرتبطة بضعف التتبع، وتراخي مراقبة الشركات المنجزة، وتكرار سيناريو “الأوراش المفتوحة” التي تبتلع الزمن والميزانيات دون نتائج ملموسة. هذه الوضعية تضع الوكالة في صلب الانتقادات، وتفرض مساءلة حقيقية حول أدائها ونجاعتها في تنزيل المشاريع العمومية.

إن منح صفة “صاحب مشروع منتدب” لا يمكن أن يكون مجرد تفويض شكلي، بل مسؤولية كاملة تقتضي الصرامة في التتبع، والحزم في فرض احترام دفاتر التحملات، وضمان آجال الإنجاز. غير أن ما تعيشه فاس اليوم يعكس خللاً واضحاً في هذه المعادلة، حيث تبدو الوكالة عاجزة عن فرض الانضباط اللازم على الأوراش التي تشرف عليها، ما يفتح الباب أمام التأخير والتسيب.

وفي موازاة ذلك، يطفو على السطح ملف المركب الثقافي الذي تشرف عليه جماعة فاس، والذي دخلت أشغال ترميمه عامها الخامس دون أفق واضح للانتهاء. خمس سنوات من الانتظار كفيلة بتحويل أي مشروع إلى عبء مالي حقيقي، خاصة في ظل غياب الشفافية حول الكلفة النهائية، وتكرار عمليات الإصلاح دون أثر ملموس. هنا، لا يعود الأمر مجرد تأخر تقني، بل يقترب من شبهة هدر الزمن والمال العام.

هذا التراكم في التعثرات يطرح إشكالاً أعمق يتعلق بالحكامة الترابية، حيث تتداخل المسؤوليات بين المتدخلين دون وضوح في المحاسبة. فمن المسؤول عن هذا التأخير؟ هل هي الشركات المنجزة؟ أم مكاتب الدراسات؟ أم الجهات المفوض لها التتبع؟ أم أن الخلل يكمن في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة نظر جذرية؟

ما يزيد من حدة الانتقادات هو الصمت المؤسساتي الذي يلف هذه المشاريع، في وقت ينتظر فيه الرأي العام توضيحات دقيقة حول نسب التقدم، وأسباب التأخر، والإجراءات المتخذة لتصحيح الوضع. فالمشاريع العمومية ليست ملكاً لجهة بعينها، بل هي استثمار جماعي يستوجب الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن فاس، بما تحمله من رمزية تاريخية وثقافية، لا يمكن أن تظل رهينة أوراش متعثرة ولوحات إشهارية لا تعكس الواقع. فالرهان اليوم لم يعد فقط في إطلاق المشاريع، بل في القدرة على إنجازها في الآجال المحددة وبالجودة المطلوبة.

أمام هذا الوضع، تصبح الحاجة ملحة لتدخل حازم من الجهات المركزية المختصة، من أجل فتح افتحاص شامل لهذه المشاريع، وتقييم أداء الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة، ومساءلة كل المتدخلين دون استثناء. كما يتعين اتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة إطلاق الأوراش المتعثرة، وضمان احترام الزمن التنموي الذي لم يعد يحتمل مزيداً من الهدر.

فإما أن تتحول هذه المشاريع إلى منجزات حقيقية تعيد لفاس بريقها الثقافي، أو تبقى شاهداً على اختلالات تدبيرية تُهدر الفرص وتُقوض الثقة في العمل العمومي. وفي الحالتين، يبقى الرهان معقوداً على إرادة الإصلاح، قبل أن يتحول التعثر إلى قاعدة، والنجاح إلى استثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى