قضايا

مطرح النفايات بطريق سيدي حرازم.. قنبلة بيئية تخنق فاس وتؤرق المرضى والسكان مع كل موجة حر

مع كل صيف جديد، يعود ملف مطرح النفايات الواقع بطريق سيدي حرازم بمدينة فاس إلى واجهة النقاش العمومي، ليس باعتباره مجرد مرفق لتدبير النفايات المنزلية، بل باعتباره واحداً من أكثر الملفات البيئية تعقيداً وإثارة للقلق لدى آلاف المواطنين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة يومية مع الروائح الكريهة والانبعاثات الغازية التي تزداد حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة وهبوب رياح “الشركي”.

ففي الوقت الذي تتطلع فيه العاصمة العلمية للمملكة إلى تعزيز مكانتها كقطب جامعي وصحي وسياحي، ما تزال مناطق واسعة من المدينة تعيش على وقع تداعيات بيئية وصحية مرتبطة بمطرح النفايات، حيث يشكو السكان منذ سنوات من انتشار روائح خانقة تصل في بعض الفترات إلى أحياء ومؤسسات ومرافق حيوية، وسط مطالب متكررة بإيجاد حل جذري لهذا الملف الذي طال أمده.

ويؤكد متابعون للشأن البيئي أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يسرع من عمليات تحلل النفايات العضوية، وهو ما يؤدي إلى انبعاث كميات أكبر من الغازات والروائح الناتجة عن التخمر والتحلل البيولوجي، وفي مقدمتها غاز الميثان وكبريتيد الهيدروجين والأمونيا ومركبات عضوية متطايرة أخرى، وهي مواد قد تتسبب في اضطرابات صحية متفاوتة التأثير، خاصة لدى الفئات الهشة من الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

وتزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بالقرب النسبي للمطرح من المركب الرياضي لفاس و التجمعات السكنية والمرافق الحساسة، وعلى رأسها المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني  ، الذي يستقبل يومياً آلاف المرضى والمرتفقين من مختلف جهات المملكة. ويعتبر العديد من الفاعلين المدنيين أن وجود مصدر دائم للروائح والانبعاثات بالقرب من مؤسسة صحية بهذا الحجم يطرح تساؤلات حقيقية حول الأثر البيئي والصحي المتراكم على المرضى والأطر الصحية والزوار.

وفي فترات الذروة الصيفية، تتحول شكاوى السكان إلى حالة من التذمر الجماعي، حيث يتحدث العديد منهم عن صعوبة فتح النوافذ خلال ساعات معينة من اليوم، وعن تسرب الروائح إلى المنازل والمرافق العمومية، في مشهد يتكرر عاماً بعد آخر دون أن يلمس المواطنون حلاً نهائياً ينهي معاناتهم المستمرة.

ويرى مختصون في المجال البيئي أن الإشكال لا يرتبط فقط بالروائح الكريهة، بل يتجاوز ذلك إلى تحديات أوسع تتعلق بتدبير العصارة الناتجة عن النفايات، ومراقبة الغازات المنبعثة، وتأهيل المجال البيئي المحيط بالمطرح، وتطوير آليات الفرز والتثمين والاقتصاد الدائري، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز التنمية المستدامة وحماية الموارد الطبيعية.

ورغم الوعود المتكررة التي رافقت هذا الملف خلال السنوات الماضية، وما تم الإعلان عنه من إجراءات وتدخلات تقنية تروم الحد من الانبعاثات والروائح، فإن الساكنة تؤكد أن النتائج الميدانية ما تزال دون مستوى الانتظارات، خاصة خلال فترات الحر الشديد التي تكشف من جديد حدود الحلول المؤقتة والترقيعية أمام حجم الإشكال القائم.

كما أن عدداً من الفاعلين الجمعويين والمهتمين بالشأن المحلي يعتبرون أن تدبير هذا الملف يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتجاوز منطق التدخلات الظرفية، نحو مقاربة تعتمد على إغلاق بؤر التلوث تدريجياً، وتسريع مشاريع التثمين والمعالجة الحديثة للنفايات، وإخضاع الموقع لمراقبة بيئية وصحية دائمة وشفافة.

ومع تزايد الوعي البيئي لدى المواطنين، لم يعد مطلب تحسين جودة الهواء وحماية الصحة العامة ترفاً أو مطلباً ثانوياً، بل أصبح جزءاً أساسياً من الحق الدستوري في العيش داخل بيئة سليمة وآمنة. وهو ما يجعل ملف مطرح النفايات بطريق سيدي حرازم واحداً من أبرز الأوراش البيئية التي تنتظر حلولاً جذرية وحاسمة، بعيداً عن التدبير الموسمي الذي يتجدد مع كل صيف ثم يختفي مع انخفاض درجات الحرارة.

واليوم، وبينما تستعد فاس لمواجهة أسابيع من الحرارة المرتفعة وموجات “الشركي” المعروفة بقسوتها، يجد آلاف السكان أنفسهم مرة أخرى أمام المشهد ذاته: روائح خانقة، شكاوى متكررة، ومطالب متصاعدة بالتدخل العاجل لوضع حد لمعاناة امتدت لسنوات طويلة. فملف بهذا الحجم لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة المواطنين وكرامة المرضى وصورة مدينة تعد من أهم الحواضر التاريخية والعلمية بالمملكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى