هل تهني الإنفراجة الديبلوماسية المغربية السورية جحيم “نساء داعش و أطفالهن” داخل مخيمات الهول و الروج
يشهد ملف المغربيات العالقات داخل مخيمات شمال شرق سوريا، المعروفات إعلامياً بـ“نساء داعش وأطفالهن”، تطوراً لافتاً بعد سنوات من الجمود، وذلك في ظل مؤشرات عن تحرك دبلوماسي جديد بين المغرب وسوريا، يهدف إلى إعادة ترتيب قنوات التواصل بشأن هذا الملف الإنساني–الأمني شديد التعقيد، والذي ظل لسنوات عالقاً بين الحسابات السياسية والاعتبارات الأمنية والبعد الحقوقي.
هذا التطور يأتي في سياق إقليمي متغير، بعد عودة تدريجية للعلاقات بين عدد من الدول العربية وسوريا، ما أعاد فتح ملفات شائكة ظلت مجمدة منذ اندلاع الحرب السورية وصعود تنظيم “داعش” سنة 2014، حيث وجدت مئات النساء الأجنبيات، من ضمنهن مغربيات، أنفسهن رفقة أطفالهن داخل منظومة مخيمات مغلقة، أبرزها مخيم “الهول” و“الروج”، تحت إدارة “قوات سوريا الديمقراطية”.
من “الالتحاق” إلى “الاحتجاز القسري”.. مسار معقد بلا عودة سهلة
قصة المغربيات داخل هذه المخيمات لا يمكن اختزالها في عنوان واحد. فبعضهن غادرن المغرب في سياق الاستدراج أو التغرير عبر شبكات تجنيد إلكترونية، فيما التحقت أخريات بأزواج التحقوا بتنظيم “داعش” خلال ذروة تمدده في سوريا والعراق.
ومع انهيار التنظيم عسكرياً، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالانتماء السابق، بل تحولت إلى ملف احتجاز طويل الأمد، حيث وجدت النساء وأطفالهن أنفسهم داخل مخيمات مغلقة، تعيش وضعاً إنسانياً صعباً، مع انعدام الوثائق الرسمية، وغياب وضع قانوني واضح، وصعوبات كبيرة في الحركة والرعاية الصحية والتعليم.
هذه المخيمات، التي يفترض أنها مراكز إيواء مؤقتة، تحولت عملياً إلى فضاءات احتجاز طويلة الأمد، يعيش فيها آلاف النساء والأطفال من جنسيات متعددة، وسط معادلة معقدة تجمع بين الأمن، والعدالة، والإنسانية، وإعادة الإدماج.
التحرك الدبلوماسي الجديد.. بداية تفكيك الملف؟
المعطيات المتداولة تشير إلى أن هناك تحركاً دبلوماسياً جديداً بين الرباط ودمشق، يرمي إلى إعادة تنشيط قنوات التواصل بشأن ملف المحتجزات المغربيات وأطفالهن، بعد سنوات من القطيعة السياسية بين البلدين.
هذا التحرك، وإن لم يُعلن عنه بشكل رسمي واسع، يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأطراف المعنية بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلاً للاستدامة، سواء من الناحية الإنسانية أو الأمنية أو الاجتماعية.
فوجود مواطنات مغربيات وأطفال وُلدوا خارج أي إطار قانوني واضح داخل مخيمات خارج سيطرة الدولة المغربية، يخلق وضعاً استثنائياً يتطلب معالجة ثنائية ودولية في آن واحد، بعيداً عن منطق التجميد أو الانتظار.
“الهول” و“الروج”.. من مخيمات نزوح إلى معادلة أمن عالمي
مخيم “الهول” تحديداً أصبح خلال السنوات الأخيرة رمزاً لأحد أعقد الملفات المرتبطة بمقاتلي “داعش” وعائلاتهم. حيث تشير تقارير دولية إلى وجود عشرات الآلاف من الأشخاص داخله، بينهم نساء وأطفال من جنسيات متعددة، يعيشون في ظروف توصف بالقاسية، مع محدودية الخدمات الأساسية، وصعوبة الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية.
أما مخيم “الروج”، فيُنظر إليه باعتباره أكثر تعقيداً من حيث البنية الأمنية والسياسية، بحكم خضوعه لإدارة محلية ذات طابع عسكري، ما يجعل أي عملية ترحيل أو تنسيق دولي تمر عبر مسارات متعددة ومعقدة.
الأطفال.. الضحايا الأكثر هشاشة في المعادلة
إذا كانت قضية النساء محاطة بجدل قانوني وأمني، فإن الأطفال يمثلون الوجه الأكثر حساسية في هذا الملف. فعدد كبير منهم وُلد داخل المخيمات، دون هوية قانونية واضحة، ودون تسجيل مدني رسمي، ما يجعل وضعهم القانوني معلقاً بين “الانعدام القانوني” و“الانتظار الإنساني”.
هؤلاء الأطفال لا يتحملون أي مسؤولية عن السياق الذي وجدوا فيه أنفسهم، لكنهم يعيشون تبعاته كاملة: انعدام التعليم المنتظم، هشاشة الرعاية الصحية، والعيش داخل بيئة مغلقة قد تؤثر على مستقبلهم النفسي والاجتماعي بشكل عميق.
بين المقاربة الأمنية والالتزام الإنساني
التعامل مع ملف “نساء داعش وأطفالهن” يظل محكوماً بتوازن دقيق بين اعتبارات الأمن القومي والدبلوماسية والالتزامات الحقوقية. فالدول، ومن بينها المغرب، تواجه معادلة صعبة: كيف يمكن استعادة المواطنين من مناطق النزاع دون نقل المخاطر الأمنية المحتملة، وفي الوقت نفسه احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة حقوق الأطفال؟
هذا الجدل ليس جديداً، لكنه يتجدد مع كل خطوة ترحيل أو نقاش دبلوماسي، حيث تتقاطع وجهات نظر مختلفة بين من يطالب بعودة شاملة وسريعة، ومن يدعو إلى معالجة فردية دقيقة لكل حالة على حدة.
عودة محدودة.. ورسائل سياسية صامتة
عودة خمس مغربيات مؤخراً لا يمكن قراءتها كحدث إنساني فقط، بل كإشارة سياسية ضمنية إلى بدء تفكيك تدريجي لهذا الملف. فهي تعني أن مسار الترحيل أصبح ممكناً من الناحية التقنية، لكنه ما يزال مرتبطاً بإجراءات معقدة وتنسيق متعدد الأطراف.
وفي المقابل، ما تزال عشرات الحالات الأخرى عالقة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول وتيرة هذا المسار: هل نحن أمام بداية حل تدريجي ومنظم، أم مجرد عمليات انتقائية محدودة تخضع لاعتبارات ظرفية؟
أبعاد إقليمية ودولية لملف يتجاوز المغرب
ملف النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم “داعش” ليس مغربياً فقط، بل هو ملف دولي تشترك فيه عشرات الدول الأوروبية والآسيوية والعربية، حيث لا تزال آلاف الحالات عالقة في المخيمات نفسها، ما يجعل منه أحد أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد “داعش”.
العديد من الدول اختارت مقاربة “العودة المشروطة”، عبر إخضاع العائدين لبرامج متابعة وإعادة إدماج ومراقبة أمنية، بينما فضلت دول أخرى التريث أو الاكتفاء بحالات محدودة جداً.
ملف يخرج من الجمود لكنه لم يدخل الحل بعد
التحرك الدبلوماسي الجديد بين المغرب وسوريا قد يشكل بداية مرحلة جديدة في هذا الملف المعقد، لكنه لا يعني أن الحل أصبح قريباً أو بسيطاً.
فالمسألة تتجاوز نقل أشخاص من مخيم إلى دولة، لتشمل إعادة إدماج اجتماعي، معالجة نفسية، تدقيق قانوني، وضمانات أمنية، إضافة إلى معالجة ملف الأطفال الذين ولدوا في سياق استثنائي لا ذنب لهم فيه.
وبين الاعتبارات الأمنية الصارمة والضغط الإنساني المتزايد، يبقى ملف “نساء داعش وأطفالهن” واحداً من أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، ملف بدأ يتحرك من جديد، لكنه لا يزال بعيداً عن نهايته.






