زلزال سياسي يهز حكومة أخنوش.. الأغلبية تتخلى عن رئيسها والمعارضة توحد صفوفها لفتح ملف “الفراقشية” ودعم استيراد المواشي

في تطور سياسي غير مسبوق داخل الولاية الحكومية الحالية، تتجه الأنظار إلى قبة البرلمان حيث تتسارع الخطوات نحو تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية، وهو الملف الذي أثار خلال الأشهر الأخيرة جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والرأي العام الوطني.
وحسب معطيات الوثيقة المتداولة، فقد وجه رؤساء فرق برلمانية دعوة رسمية لعقد اجتماع عاجل قصد مباشرة الإجراءات القانونية والدستورية الكفيلة بتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول مختلف أوجه الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية بصفة عامة.
الوثيقة حملت توقيع رئيس فريق الأصالة والمعاصرة أحمد التويزي، ورئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية ، ورئيس الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي ، حيث أكد الموقعون أن المبادرة تهدف إلى “استجلاء الحقيقة وتنوير الرأي العام الوطني” بخصوص ملف أثار نقاشاً واسعاً وجدلاً قوياً داخل المغرب.
غير أن المعطى السياسي الأبرز الذي استوقف المتابعين هو غياب توقيع رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يقود الحكومة ويتولى الإشراف السياسي على وزارة الفلاحة، ما اعتبره عدد من المراقبين مؤشراً على تصدع داخل مكونات الأغلبية نفسها، بل واعترافاً ضمنياً بوجود حرج سياسي متزايد حول هذا الملف الحساس.
المعارضة تدخل بقوة
وفي المقابل، تبدو فرق المعارضة البرلمانية عازمة على الذهاب بعيداً في هذا الملف، ويتعلق الأمر بكل من فريق حزب الحركة الشعبية، وفريق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفريق التقدم والاشتراكية، والمجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، التي طالبت منذ أشهر بكشف المستفيدين الحقيقيين من مليارات الدراهم التي تم ضخها لدعم استيراد الأغنام والأبقار.
ويرى متابعون أن التحاق مكونات من الأغلبية بمطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يشكل تطوراً سياسياً لافتاً، ويضع رئيس الحكومة عزيز أخنوش في وضعية حرجة، بعدما تحول ملف الدعم من مجرد نقاش اقتصادي إلى قضية رأي عام تتعلق بالحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هل بدأت رحلة كشف “الفراقشية”؟
المهمة الاستطلاعية أو لجنة تقصي الحقائق المرتقبة لا يُنتظر منها فقط جرد أرقام الدعم العمومي، بل التعمق في مسارات صرف الأموال العمومية وتحديد المستفيدين الحقيقيين منها، وكيفية توزيع الامتيازات والتسهيلات التي رافقت عمليات الاستيراد.
وتتجه الأنظار خصوصاً إلى ما بات يعرف شعبياً بملف “الفراقشية”، وهو الوصف الذي أطلقه المغاربة على شبكات الوسطاء والمضاربين الذين اتهموا بالاستفادة من الدعم العمومي دون أن ينعكس ذلك على أسعار اللحوم في الأسواق الوطنية.
ورغم تخصيص مبالغ مالية ضخمة وإعفاءات جمركية وضريبية لتشجيع استيراد المواشي، فإن أسعار اللحوم الحمراء واصلت الارتفاع في عدد من الأسواق، ما دفع فئات واسعة من المواطنين إلى التساؤل حول الجهات التي استفادت فعلياً من هذه الإجراءات الاستثنائية.
أسماء ثقيلة تحت المجهر
وتتداول الأوساط السياسية والإعلامية أسماء فاعلين بارزين في القطاع الفلاحي ينتظر أن يثار دورهم خلال النقاش العمومي المرتبط بهذا الملف، من بينهم رئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية “كومادير” رشيد بنعلي، إلى جانب مسؤولين ومؤسسات مهنية وتقنية مرتبطة بسلسلة الإنتاج والاستيراد والتأطير الفلاحي.
غير أن أي تحديد للمسؤوليات أو توجيه اتهامات مباشرة يبقى رهيناً بما ستكشفه التحقيقات البرلمانية والوثائق الرسمية والمعطيات المالية والإدارية التي ستخضع للتدقيق.
أغلبية مرتبكة ورئيس حكومة في قلب العاصفة
سياسياً، تبدو الرسالة الأبرز في هذه التطورات أن جزءاً من الأغلبية الحكومية لم يعد مستعداً لتحمل الكلفة السياسية لملف الدعم بمفرده تحت قيادة عزيز أخنوش.
فحين يوقع حلفاء رئيس الحكومة داخل الأغلبية على مبادرة رقابية بهذا الحجم، بينما يغيب حزب الأحرار عن الوثيقة، فإن ذلك يطرح أسئلة حقيقية حول مستوى الانسجام داخل التحالف الحكومي، وحول حجم الضغوط التي ولدها هذا الملف على مكونات الأغلبية نفسها.
ويرى مراقبون أن البرلمان مقبل على واحدة من أكثر المحطات الرقابية حساسية منذ سنوات، خاصة إذا تم تفعيل الآليات الدستورية الكاملة للجنة تقصي الحقائق، بما يسمح بالاطلاع على الوثائق والاستماع إلى مختلف المتدخلين والمسؤولين والفاعلين الاقتصاديين.
الرأي العام ينتظر الحقيقة
اليوم لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت هناك اختلالات من عدمها، بل ما إذا كانت المؤسسات الرقابية والتشريعية قادرة على كشف الحقيقة كاملة أمام المغاربة.
فملف دعم استيراد المواشي تحول إلى اختبار حقيقي لمبادئ الشفافية والحكامة الجيدة، وإلى امتحان سياسي للأغلبية الحكومية وللمعارضة على حد سواء.
وإذا نجحت لجنة تقصي الحقائق في الوصول إلى المعطيات الدقيقة، فإنها قد ترفع الستار عن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، وتكشف كيف تم تدبير مليارات الدراهم من المال العام، ومن استفاد منها فعلياً، ولماذا لم ينعكس ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين وأسعار اللحوم في الأسواق الوطنية.
وبين مطالب المحاسبة وشعارات الشفافية، يبقى الرأي العام المغربي في انتظار أجوبة واضحة حول ملف أصبح عنواناً كبيراً للصراع السياسي والرقابي داخل البرلمان، وامتحاناً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات على حماية المال العام ووضع حد لكل أشكال الريع والمضاربة والامتيازات غير المبررة.






