بعد كارثة الحسيمة.. هل أصبحت حوادث الطائرات الخفيفة بالمغرب جرس إنذار يستوجب المراجعة؟

أعاد حادث تحطم طائرة خفيفة قرب مطار الشريف الإدريسي بالحسيمة إلى الواجهة ملف سلامة الطيران الخاص والطيران الخفيف بالمغرب، بعدما أسفر الحادث عن مصرع شخصين يحملان الجنسية الفرنسية كانا على متن رحلة قادمة من مدينة مونبلييه الفرنسية ومتجهة نحو منطقة تيط مليل، مع توقف مبرمج بمطار الحسيمة.
وبحسب المعطيات الأولية المتداولة، فإن الطائرة فقدت ارتفاعها بشكل مفاجئ بعد وقت قصير من إقلاعها من مطار الشريف الإدريسي، قبل أن تسقط في محيط المطار، ما أدى إلى إصابة الطيار ومرافقته بجروح بليغة فارقا على إثرها الحياة بعد نقلهما إلى المستشفى الإقليمي محمد السادس بالحسيمة.
ورغم أن التحقيقات التقنية لا تزال جارية لتحديد الأسباب الدقيقة للحادث، فإن الواقعة تعيد طرح أسئلة عميقة حول سلامة الطيران الخفيف بالمغرب، خاصة أنها تأتي بعد أقل من سنة من حادث آخر استأثر باهتمام واسع للرأي العام، ويتعلق بتحطم طائرة خاصة بمحيط مطار فاس سايس، وهو الحادث الذي أثار بدوره نقاشاً واسعاً حول شروط السلامة والمراقبة التقنية الخاصة بهذا النوع من الطائرات.
وإذا كانت حوادث الطيران التجاري تبقى نادرة جداً بفضل المعايير الصارمة التي تخضع لها شركات الطيران الكبرى، فإن الطائرات الخفيفة والطائرات الخاصة تسجل عالمياً معدلات حوادث أعلى مقارنة بالطيران التجاري. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل من بينها طبيعة هذه الطائرات، وتأثرها بشكل أكبر بالظروف الجوية، إضافة إلى محدودية أنظمة الحماية والتجهيزات الموجودة على متنها مقارنة بالطائرات التجارية الكبيرة.
وتشير تقارير دولية متخصصة في سلامة الطيران إلى أن جزءاً مهماً من حوادث الطائرات الخفيفة يرتبط بعوامل تقنية أو أخطاء بشرية أو تغيرات مفاجئة في الظروف الجوية، خصوصاً خلال مرحلتي الإقلاع والهبوط اللتين تعتبران الأكثر حساسية في أي رحلة جوية. كما أن الأعطال الميكانيكية المرتبطة بالمحركات أو أنظمة التحكم تبقى من بين الأسباب الأكثر حضوراً في هذا النوع من الحوادث.
وفي حالة حادث الحسيمة، يركز المحققون عادة في مثل هذه الوقائع على عدة محاور أساسية، من بينها الحالة التقنية للطائرة قبل الإقلاع، وسجل الصيانة الدورية، والمعطيات المناخية المسجلة لحظة الحادث، إضافة إلى الاتصالات التي جرت بين الطيار وبرج المراقبة خلال الدقائق الأخيرة من الرحلة.
وتكتسي هذه التحقيقات أهمية خاصة بالنظر إلى أن منطقة الريف تعرف تضاريس جبلية معقدة نسبياً، كما أن بعض المطارات الجهوية بالمملكة تفرض على الطيارين التقيد بإجراءات دقيقة أثناء الإقلاع والهبوط، خصوصاً في فترات الرياح المتغيرة أو الظروف الجوية غير المستقرة.
الحادث الجديد يسلط الضوء أيضاً على التطور الذي يشهده قطاع الطيران الخاص بالمغرب خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة أصبحت تستقبل أعداداً متزايدة من الطائرات الخاصة القادمة من أوروبا، سواء لأغراض سياحية أو استثمارية أو مرتبطة بالنقل الخاص، وهو ما يفرض مواكبة مستمرة لمتطلبات السلامة الجوية وتعزيز آليات المراقبة والتتبع التقني.
ويرى عدد من المتابعين أن تكرار حوادث الطائرات الخفيفة، حتى وإن ظلت معزولة مقارنة بحجم الحركة الجوية المسجلة سنوياً بالمطارات المغربية، يستوجب استخلاص الدروس وتعزيز ثقافة الوقاية والاستباق. فكل حادث من هذا النوع لا يمثل مجرد واقعة تقنية، بل يشكل مناسبة لإعادة تقييم منظومة السلامة برمتها، من الصيانة والتفتيش إلى التكوين والتتبع الميداني.
كما يبرز الحادث أهمية الدور الذي تقوم به لجان التحقيق المختصة في حوادث الطيران، والتي تعمل على تحليل المعطيات التقنية بشكل دقيق ومستقل من أجل تحديد الأسباب الحقيقية للحادث وتقديم توصيات تمنع تكرار سيناريوهات مماثلة مستقبلاً. فالغرض من هذه التحقيقات لا يقتصر على تحديد المسؤوليات، بل يهدف أساساً إلى تعزيز سلامة الملاحة الجوية وحماية الأرواح.
وفي انتظار صدور النتائج النهائية للتحقيق، يبقى حادث الحسيمة مأساة إنسانية جديدة تضاف إلى سجل حوادث الطيران الخفيف، كما يعيد إلى الواجهة نقاشاً مشروعاً حول سلامة هذا القطاع ومدى الحاجة إلى مواصلة تطوير آليات المراقبة والتفتيش والتحديث التقني، خاصة في ظل النمو المتواصل الذي يعرفه النقل الجوي الخاص بالمملكة.
فبين حادث فاس سايس بالأمس وحادث الحسيمة اليوم، يظل السؤال المطروح: هل يتعلق الأمر بحوادث معزولة تفرضها طبيعة الطيران الخفيف عالمياً، أم أن المرحلة تقتضي تعزيزاً أكبر لمنظومة الوقاية والسلامة حتى يظل المجال الجوي المغربي محافظاً على مستويات الأمان التي راكمها خلال العقود الماضية؟






