فاس العتيقة بين مطرقة “الترميم” وسندان “الهجرة”: هل ينقذ حجر التاريخ بشر الجغرافيا؟

تُعدّ المدينة العتيقة لفاس، المصنفة كأول موقع مغربي على لائحة التراث العالمي لمنظمة “اليونسكو” منذ عام 1981، واحدة من أعقد الأنظمة الحضرية والتاريخية في العالم، حيث تمتد على مساحة تناهز 280 هكتاراً وتضم نسيجاً عمرانياً متلاحماً يحتوي على أكثر من 9000 بناية تاريخية ذات قيمة أثرية رفيعة. تعيش هذه الحاضرة الإدريسية اليوم على وقع تحدٍ استراتيجي بالغ الأهمية يتمثل في كيفية الموازنة بين الحفاظ على هويتها المعمارية الضاربة في القدم من خلال البرامج الملكية الطموحة لترميم المآثر، وبين ضرورة ضخ دماء جديدة في شرايينها الاقتصادية والاجتماعية لضمان استقرار ساكنتها التي تقدر بحوالي 100 ألف نسمة، والذين يشكلون العصب الحيوي الذي يمنع هذا المتحف المفتوح من التحول إلى مجرد أطلال سياحية جامدة.
لقد شكلت البرامج المتعاقبة لتأهيل وتثمين المدينة العتيقة، ولا سيما البرنامج التكميلي الذي رصدت له ميزانيات ضخمة تجاوزت 580 مليون درهم، رافعة أساسية لإنقاذ الذاكرة الوطنية من الاندثار، حيث شملت العمليات ترميم 27 معلماً تاريخياً بارزاً من قناطر وفنادق ومدارس مرينية عتيقة مثل المدرسة البوعنانية ومدرسة الصفارين، بالإضافة إلى تأهيل المئات من الدور الآيلة للسقوط التي كانت تهدد سلامة الساكنة. هذه “الجراحة المعمارية الدقيقة” لم تقتصر على إعادة ترميم الجدران والزخارف والنقوش على خشب الأرز والجبس، بل امتدت لتشمل تحديثاً شاملاً للبنية التحتية الجوفية من خلال تجديد قنوات تصريف المياه العادمة التي يعود بعضها إلى القرون الوسطى، وتحسين شبكات الربط بالكهرباء والماء الصالح للشرب، وهي خطوات تقنية معقدة ساهمت في خفض معدلات الرطوبة التي كانت تنخر أساسات البنايات التقليدية وتثقل كاهل قاطنيها بكلفة صيانة دورية باهظة.
ومع ذلك، فإن هذا النجاح الهندسي والجمالي يصطدم بواقع سوسيو-اقتصادي يفرض نفسه بقوة على طاولة النقاش بين مسؤولي الشأن المحلي والخبراء، إذ تعاني المدينة القديمة من نزيف ديمغرافي صامت تمثل في هجرة العائلات الفاسية العريقة نحو الأحياء الحديثة خارج الأسوار بحثاً عن جودة حياة أفضل وحلول لمشكل السير والولوجيات، مما أدى إلى حدوث خلل في التوازن الاجتماعي وظهور بنية سكانية جديدة تفتقر في كثير من الأحيان إلى الموارد المالية الكافية للحفاظ على الهندسة الداخلية للـ “رياضات” والديار الواسعة. يتزامن هذا التحول مع أزمة بنيوية خانقة تضرب قطاع الصناعة التقليدية، الذي يمثل المصدر المعيشي الرئيسي لأزيد من 30 ألف صانع تقليدي داخل الأسوار؛ فحرف تاريخية عريقة كالدباغة في دار الدبغ بـ “شوارة”، والطرق على النحاس، وصناعة الفخار والزليج الفاسي، تواجه اليوم خطر الانقراض نتيجة عزوف الشباب من الأجيال الجديدة عن تعلم هذه المهن الشاقة وتفضيلهم لقطاعات الخدمات الحديثة، فضلاً عن المنافسة الشرسة والشرسة جداً التي تفرضها المنتجات المصنعة المستوردة والمقلدة التي تغرق الأسواق المحلية بأسعار منخفضة تضرب في الصميم قيمة الإبداع اليدوي الأصيل.
لذلك، يجمع الفاعلون في المجتمع المدني والمراقبون الاقتصاديون على أن مستقبل فاس العتيقة يكمن في الانتقال الفوري من مقاربة “الترميم التقني للحجر” إلى رؤية “التنمية المندمجة للبشر”، وهو ما يتطلب صياغة استراتيجية سياحية وتنموية جديدة لا تنظر إلى المدينة كمعبر سياحي سريع للمجموعات الأجنبية، بل كوجهة لإقامة ممتدة تسهم في تحريك العجلة الاقتصادية المحلية بشكل مباشر ومستدام. يتطلب هذا التوجه الجديد إدماج الشباب المحلي في مهن السياحة الثقافية، وتوفير حماية اجتماعية حقيقية وتغطية صحية شاملة للصناع التقليديين لضمان استقرارهم، إلى جانب خلق منصات رقمية حديثة مدعومة من الدولة لتسويق المنتجات الفاسية على الصعيد الدولي لقطع الطريق أمام الوسطاء الذين يستنزفون هوامش ربح الحرفيين، بالإضافة إلى ابتكار حلول نقل صديقة للبيئة (كالعربات الكهربائية الصغيرة) لتسهيل نقل البضائع والأشخاص داخل الأزقة الضيقة للمدينة دون المساس بخصوصيتها الخالية من السيارات، لتبقى فاس بذلك عاصمة روحية حية قادرة على العيش في العصر الحديث بهوية أصيلة لا تموت.






