زلزال التزكيات بتاونات: “البام” يغامر بقواعده في “القرية-غفساي”.. وصعود هادئ لـ “الأحرار” يقلب الحسابات

تشهد الصالونات السياسية والكواليس الحزبية في إقليم تاونات غلياناً متسارعاً يعيد رسم الخارطة الانتخابية لعام 2026 قبل أوانها، حيث تحولت دائرة “القرية-غفساي” إلى بؤرة ساخنة للتجاذبات السياسية بعد قرارات مركزية مفاجئة فجرت صراعات الأجنحة داخل الهيئات الحزبية الكبرى. ولم يعد الأمر مجرد تسابق تقليدي على نيل التزكيات، بل تحول إلى زلزال تنظيمي يهدد التماسك الداخلي لبعض الأحزاب، وعلى رأسها حزب الأصالة والمعاصرة، في مقابل صعود هادئ ومدروس لحزب التجمع الوطني للأحرار القائم على استثمار أخطاء الخصوم وإعادة ترتيب صفوفه بمقاربة مغايرة.
وتعيش القواعد التنظيمية لحزب “الجرار” في الإقليم حالة من الذهول والامتعاض الشديد بعد تواتر الأنباء عن قرار القيادة المركزية بالتخلي عن منسقها الجهوي القيادي البارز محمد احجيرة، والتوجه نحو تعويضه بالبرلماني نور الدين أقشيبل (قشبيل). هذا التكتيك أحدث شرخاً عميقاً وسط مناضلي الحزب بالمنطقة، الذين اعتبروا الخطوة قفزة غير محسوبة في المجهول؛ إذ ترى الفعاليات المحلية أن التضحية بنخب أكاديمية مشهود لها بالكفاءة والتجربة الميدانية النظيفة، بغرض استقطاب وافدين جدد، يمثل تراجعاً صريحاً عن شعارات الحزب المرفوعة لتخليق الحياة السياسية وإعادة الاعتبار للمصداقية العلمية والأخلاقية.
وتتغذى حالة الرفض السائدة في دائرة القرية-غفساي من الذاكرة السياسية القريبة للإقليم؛ حيث تستحضر الأوساط المحلية التاريخ المثير للجدل للمرشح المرتقب نور الدين أقشيبل، لا سيما واقعة ضبطه الشهيرة قبل سنوات وهو يحمل ثلاثة هواتف نقالة داخل قاعة الامتحان أثناء اجتيازه اختبارات البكالوريا كمترشح حر. ورغم الدفوعات والشهادات التي قدمت آنذاك للدفاع عنه باعتباره رجل أعمال ومستثمراً في قطاع الاتصالات لا يحتاج لشهادة مدرسية، إلا أن النخبة المثقفة والكتلة الناخبة بالمنطقة ما زالت تنظر إلى هذه الواقعة بوصفها وسمة “غش ونقل” تمس بجوهر الأهلية النموذجية لتمثيل الساكنة تحت قبة البرلمان. وتزداد حدة الانتقادات الموجهة لـ “البام” محلياً بالنظر إلى أن المفاضلة سارت في اتجاه استبدال طاقات فكرية رفيعة المستوى بأسماء تلاحقها صور نمطية سلبية لدى الرأي العام، وهو ما يوصف في أدبيات السياسة المحلية بالقرار الانتحاري الذي قد يكلف الحزب خسارة كتلته الناخبة الصلبة.
في المقابل، نجح حزب التجمع الوطني للأحرار في تدبير هذه المرحلة الانتقالية بذكاء تنظيمي واضح، متبنياً استراتيجية “التطهير الهادئ” ونفض يده من الأعيان الذين يشكلون عبئاً رمزيًا على صورة الحزب. وجاء قرار استبعاد أقشيبل من صفوف “الحمامة” ليفتح الباب أمام ترتيبات بديلة قادها الحزب لإعادة كسب ود الشارع التاوناتي، حيث حسم الأحرار خيارهم بالدفع بـالحاج محمد الميسوري (المدعوم بوزنه العائلي والسياسي بالمنطقة وامتداده رفقة المستشار البرلماني مصطفى الميسوري). هذا الاختيار حظي بترحيب واسع داخل أوساط الساكنة التي تجد في عائلة الميسوري نموذجاً للوجاهة المحلية المستندة إلى الخصال الحميدة، والتواصل الميداني المستمر، والترافع الدائم عن قضايا الإقليم الأساسية المرتبطة بفك العزلة والمطالبة بالبنيات التحتية والمرافق الصحية.
ويكشف التحليل المعمق للوضع الراهن في إقليم تاونات أن المعركة الانتخابية القادمة لن تكون مجرد حرب نفوذ مالي أو قبلي، بل ستكون استفتاءً شعبياً ومواجهة حاسمة بين منطقين سياسيين: منطق القيادات المركزية التي تحتكم لحسابات انتخابية جافة وميكانيكية وتراهن على القدرة المالية واللوجستية للمرشحين حتى لو كان ذلك على حساب رمزيتهم الأخلاقية، وبين منطق القواعد والميدان الذي يطالب بالكرامة الانتخابية ويرفض الإنزال الفوقي للأسماء المغضوب عليها شعبياً. وبناءً على هذه المعطيات، فإن الأحزاب السياسية بالإقليم باتت تقف أمام مرآة مصداقيتها؛ فإما النزول عند رغبة الشارع وتزكية الكفاءة والقرب، أو الإصرار على قرارات المركز التي قد تؤدي بالتبعية إلى معاقبة جماعية لصناديق الاقتراع وتعميق أزمة الثقة في المؤسسات التمثيلية.






