سياسة

مدارس الريادة تحت المجهر.. هل يعيد التعليم المغربي إنتاج أخطاء «البرنامج الاستعجالي»؟

مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي، تتصاعد من جديد أصوات داخل الأسرة التعليمية محذرة من مظاهر الارتباك التي باتت ترافق تنزيل مشروع “مدارس الريادة”، وهو المشروع الذي قدمته وزارة التربية الوطنية باعتباره أحد أبرز أوراش إصلاح المدرسة العمومية، قبل أن يجد نفسه اليوم في قلب موجة من الانتقادات المتزايدة المرتبطة بطريقة التدبير والتنزيل الميداني.

ففي الوقت الذي كانت الوزارة تراهن على أن يشكل المشروع قاطرة جديدة لتحسين جودة التعلمات والرفع من مؤشرات النجاح الدراسي، تتحدث أصوات تربوية عديدة عن اختلالات تقنية وتنظيمية وبيداغوجية أصبحت تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى المقاربة المعتمدة، ومدى قدرة المشروع على تحقيق الأهداف المعلنة.

ارتباك في نهاية الموسم

وتشير معطيات متداولة داخل الأوساط التعليمية إلى أن مرحلة تمرير الروائز والاختبارات بمؤسسات الريادة شهدت خلال الأسابيع الأخيرة حالة من الضغط والارتباك، سواء بالنسبة للأطر التربوية أو المتعلمين، في ظل تواتر شكاوى مرتبطة بالبرمجة الزمنية وبالموارد الرقمية المعتمدة في تنزيل المشروع.

ويؤكد عدد من الفاعلين التربويين أن الأساتذة وجدوا أنفسهم في مناسبات عديدة أمام إكراهات تقنية مرتبطة بالمنصات الرقمية المعتمدة، فضلا عن تسجيل تفاوت بين المضامين المقدمة للتلاميذ ومضامين بعض الروائز المعتمدة للتقييم، الأمر الذي يطرح إشكالية الانسجام بين التعلمات وآليات قياسها.

كما تتحدث ملاحظات ميدانية عن وجود أخطاء تقنية وبيداغوجية في بعض الموارد الرقمية، إلى جانب تأخر تنزيل مضامين دراسية أو غياب مواد داعمة كان من المفترض أن تسهل مهمة الأساتذة داخل الفصول الدراسية.

مشروع واعد أم سباق مع الزمن؟

ويرى متابعون للشأن التربوي أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في بعض الأعطاب التقنية أو الهفوات التنظيمية، بل في التساؤلات المتزايدة حول مدى جاهزية المشروع قبل تعميمه على نطاق واسع.

فالعديد من الإصلاحات التعليمية السابقة رفعت شعارات كبرى وأهدافا طموحة، غير أن الفجوة بين التصور النظري والتنزيل الميداني كانت غالبا السبب الرئيسي في تعثرها. وهو ما يجعل الكثيرين يستحضرون اليوم تجربة “البرنامج الاستعجالي” الذي استهلك ميزانيات ضخمة ورفع سقف الانتظارات، قبل أن تنتهي نتائجه إلى نقاشات حادة حول الحصيلة والمردودية.

ورغم اختلاف السياقات بين المشروعين، فإن القاسم المشترك الذي يثير القلق لدى المتتبعين يتمثل في الخشية من تكرار منطق الاستعجال في التنفيذ قبل استكمال شروط النجاح على الأرض.

المدرسة العمومية بين الإصلاحات المتتالية وغياب التقييم

منذ عقود، لم يتوقف المغرب عن إطلاق برامج ومخططات لإصلاح التعليم، بدءا من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مرورا بالمخطط الاستعجالي، وصولا إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح ومشاريع المدارس الرائدة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا تستمر المدرسة العمومية في مواجهة التحديات نفسها رغم توالي المشاريع والإصلاحات؟

عدد من الخبراء يعتبرون أن الإشكال لا يرتبط فقط بالموارد المالية أو المناهج الدراسية، بل أيضا بضعف التقييم المرحلي لبعض المشاريع، وعدم الإنصات الكافي للملاحظات الصادرة عن الفاعلين الميدانيين الذين يتحملون العبء الأكبر في تنزيل الإصلاحات داخل الأقسام.

وفي هذا السياق، يرى مهتمون بالشأن التربوي أن نجاح أي مشروع إصلاحي يقتضي إشراك الأساتذة والإداريين بشكل فعلي في مراحل التقييم والتقويم، بدل الاقتصار على المؤشرات الرقمية والتقارير الإدارية.

الوزير أمام اختبار الحصيلة

ومع تزايد الانتقادات الموجهة إلى طريقة تنزيل مشروع مدارس الريادة، يجد وزير التربية الوطنية نفسه أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى القدرة على تقديم حصيلة دقيقة وشفافة للرأي العام حول النتائج المحققة، وحول الاختلالات المسجلة أيضا.

فالرهان اليوم لم يعد مرتبطا بإطلاق مشاريع جديدة أو تقديم شعارات إصلاحية جذابة، بقدر ما أصبح مرتبطا بقدرة الوزارة على ضمان الاستقرار البيداغوجي داخل المؤسسات التعليمية، وتحسين جودة التعلمات، وتوفير بيئة عمل سليمة للأطر التربوية.

وفي انتظار تقييم شامل ومستقل لهذا الورش، يبقى السؤال مطروحا بقوة: هل ستنجح مدارس الريادة في تحقيق التحول المنشود داخل المدرسة العمومية المغربية، أم أنها ستنضم إلى قائمة المشاريع التي رفعت سقف الآمال قبل أن تصطدم بصعوبات الواقع الميداني؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى