سياسة

من شالة إلى آفاق المستقبل.. الرباط تحتفي بـ250 سنة من الصداقة المغربية الأمريكية في ليلة أضاءت سماء العاصمة

في مشهد دبلوماسي استثنائي جمع بين عبق التاريخ ورهانات المستقبل، احتضن الموقع الأثري لشالة بالعاصمة الرباط، مساء الثلاثاء، حفل الاستقبال الرسمي الذي نظمته سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، في حدث غير مسبوق أقيم لأول مرة داخل هذا الفضاء التاريخي العريق الذي يختزل قروناً من الحضارات والتبادل بين الشعوب.

ولم يكن اختيار شالة اعتباطياً، بل حمل رسائل رمزية عميقة تعكس عمق العلاقة التي تجمع المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وهي العلاقة التي تعد من أقدم العلاقات الدبلوماسية في التاريخ الحديث، حيث يمتد عمرها إلى ما يقارب قرنين ونصف من الزمن.

وحضر هذا الحدث البارز مسؤولون حكوميون مغاربة رفيعو المستوى، ودبلوماسيون معتمدون بالمملكة، وشخصيات اقتصادية وثقافية ومدنية، إلى جانب شركاء الولايات المتحدة من القطاعين العام والخاص، في احتفال جسد متانة الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن.

المغرب.. أول دولة اعترفت بالولايات المتحدة

ويحتفل البلدان خلال سنة 2026 بمحطة تاريخية فارقة، إذ يعود أصل هذه العلاقة إلى سنة 1777 عندما أصبح المغرب أول دولة في العالم تعترف رسمياً باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية الناشئة آنذاك، في خطوة دبلوماسية سبقت اعتراف العديد من القوى الدولية الكبرى. كما تُوج هذا التقارب بتوقيع معاهدة السلام والصداقة سنة 1786، التي ما تزال تعتبر إلى اليوم أقدم معاهدة دبلوماسية متواصلة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

وتحول هذا الإرث التاريخي على مدى 250 سنة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل الأمن والدفاع والتجارة والاستثمار والتعليم والثقافة والابتكار والتعاون الإقليمي والدولي. كما أصبح المغرب أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في شمال إفريقيا والعالم العربي، وشريكاً أساسياً في قضايا الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية.

شراكة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية

وخلال كلمته بالمناسبة، أكد سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب، ريتشارد ديوك بوكان الثالث، أن الاحتفال لا يقتصر على ذكرى استقلال الولايات المتحدة، بل يخلد أيضاً مساراً استثنائياً من الثقة المتبادلة والتعاون المثمر بين البلدين.

وأشار السفير الأمريكي إلى أن العلاقات المغربية الأمريكية تواصل تطورها في مجالات الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والابتكار والتبادل الإنساني، مؤكداً أن الشراكة بين البلدين تتطلع إلى العقود المقبلة بنفس الروح التي ميزت تاريخها الممتد عبر قرنين ونصف.

كما أبرز المسؤول الأمريكي أهمية المشاريع الاقتصادية الكبرى التي يعرفها المغرب، والدور المتنامي الذي تضطلع به المملكة كبوابة استراتيجية نحو إفريقيا، وكمنصة واعدة للشراكات العابرة للمحيط الأطلسي.

حضور أمريكي راسخ بالمغرب

ويحمل الحضور الأمريكي بالمغرب بعداً تاريخياً خاصاً، يتجسد في مقر المفوضية الأمريكية بمدينة طنجة، التي تعد أقدم بناية دبلوماسية أمريكية خارج الولايات المتحدة ما تزال قائمة إلى اليوم، وهو معطى يعكس خصوصية العلاقات بين البلدين. كما جاء افتتاح المقر الجديد للقنصلية الأمريكية بمدينة الدار البيضاء ليؤكد الإرادة المشتركة لتعزيز التعاون والانفتاح على آفاق جديدة للشراكة الاقتصادية والاستثمارية.

سماء الرباط تتزين بالأضواء

ومع حلول ساعات المساء، تحولت أجواء الاحتفال إلى لوحة بصرية مبهرة جذبت أنظار الحاضرين وسكان العاصمة على حد سواء، بعدما أطلقت عروض ضخمة للطائرات المسيرة والألعاب النارية والشهب الاصطناعية التي غطت سماء الرباط وأضاءت فضاءها في مشهد احتفالي استثنائي.

ورسمت الأضواء المتلألئة فوق الموقع التاريخي لشالة لوحات فنية جسدت الصداقة المغربية الأمريكية، فيما تابع المئات هذا العرض الذي منح للاحتفال بعداً رمزياً يجمع بين التاريخ والتكنولوجيا والاحتفاء بمستقبل الشراكة بين البلدين.

تحالف استراتيجي يتجه نحو المستقبل

ويأتي هذا الاحتفال في سياق دولي وإقليمي يشهد تحولات متسارعة، ما يمنح للعلاقات المغربية الأمريكية أهمية متزايدة بالنظر إلى الدور المتنامي للمملكة في محيطها الإقليمي والقاري، وإلى مكانتها كشريك موثوق لواشنطن في ملفات الأمن والاستثمار والطاقة والابتكار.

كما يتزامن مع مشاركة المغرب في التظاهرات الرياضية العالمية التي تحتضنها الولايات المتحدة، وهو ما يعكس قوة الروابط الإنسانية والثقافية بين الشعبين، ويؤكد أن العلاقات بين الرباط وواشنطن لم تعد تقتصر على القنوات الدبلوماسية الرسمية، بل أصبحت شراكة شاملة تجمع المؤسسات والجامعات والمقاولات والمجتمع المدني.

وبعد مرور 250 سنة على أول اعتراف مغربي بالدولة الأمريكية الناشئة، تبدو العلاقات بين الرباط وواشنطن أكثر قوة من أي وقت مضى، مدفوعة بتاريخ استثنائي من الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة والرؤية المشتركة لمستقبل قائم على الاستقرار والازدهار والتعاون عبر ضفتي الأطلسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى