ثقافة

مهرجان حب الملوك بصفرو بين التثمين الثقافي والاحتقان الاقتصادي.. هل أخطأت الجهات المنظمة في تدبير الحوار مع التجار؟

عاد الجدل ليتصدر المشهد بمدينة صفرو مع اقتراب انطلاق فعاليات مهرجان حب الملوك، بعد إعلان عدد من جمعيات التجار رفضها تنظيم معرض تجاري على هامش هذه التظاهرة الثقافية العريقة، معتبرة أن القرار قد تكون له انعكاسات سلبية على الحركة التجارية المحلية وعلى التوازن الاقتصادي الهش الذي تعيشه المدينة.

البيان الصادر عن جمعيات التجار حمل لغة قوية وغير مسبوقة، حيث عبر الموقعون عليه عن استيائهم مما وصفوه بتغييب المقاربة التشاركية وعدم إشراك الفاعلين الاقتصاديين المحليين في اتخاذ القرار، كما أعلنوا عن برنامج احتجاجي للمطالبة بمراجعة طريقة تدبير هذا الملف الذي أصبح يثير نقاشاً واسعاً داخل المدينة.

مهرجان عالمي ورهان محلي

لا يختلف اثنان حول المكانة الرمزية لمهرجان حب الملوك بصفرو، الذي يعد من أقدم المهرجانات الثقافية بالمغرب، كما أن تصنيفه سنة 2012 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو منح المدينة إشعاعاً دولياً وجعل من المهرجان واجهة ثقافية وسياحية للمملكة.

غير أن هذا الاعتراف الدولي يضع في المقابل مسؤولية مضاعفة على عاتق مختلف المتدخلين، سواء تعلق الأمر بجماعة صفرو أو السلطات المحلية أو مجلس جهة فاس مكناس أو مختلف الشركاء المؤسساتيين، وذلك من أجل ضمان التوازن بين البعد الثقافي للمهرجان وبين مصالح الساكنة والفاعلين الاقتصاديين.

التجار يرفعون صوت الاحتجاج

بحسب البيان الصادر عن جمعيات التجار، فإن التخوف الأساسي يتمثل في تنظيم معرض تجاري موازٍ قد يؤثر على النشاط الاقتصادي للمحلات التجارية بالمدينة، خاصة في ظل الظرفية الاقتصادية الصعبة التي تعرفها العديد من الأسر والتجار الصغار.

ويرى عدد من الفاعلين المحليين أن أي تظاهرة اقتصادية أو تجارية كبرى ينبغي أن تنعكس إيجاباً على نسيج المدينة التجاري، لا أن تتحول إلى مصدر توتر بين المنظمين وأصحاب المحلات الذين ينتظرون من المهرجان أن يشكل فرصة لإنعاش الاقتصاد المحلي.

أين هي المقاربة التشاركية؟

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو: هل تم إشراك التجار والمهنيين والهيئات الاقتصادية المحلية بالشكل الكافي قبل اتخاذ القرارات المرتبطة بتنظيم المعرض التجاري؟

فمبادئ الحكامة الترابية الحديثة تقوم على التشاور والإنصات وإشراك الفاعلين المحليين في صناعة القرار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المحلي.

ويبدو من خلال مضمون البيان أن جزءاً من الاحتقان الحالي يعود إلى شعور بعض الفاعلين بأن صوتهم لم يُسمع بالشكل المطلوب، وهو ما يستدعي فتح قنوات الحوار بشكل عاجل لتفادي مزيد من التوتر.

مسؤولية جماعة صفرو ومجلس الجهة

تتحمل جماعة صفرو باعتبارها أحد المتدخلين الرئيسيين في تدبير الشأن المحلي مسؤولية التواصل مع مختلف الفاعلين وتوضيح خلفيات القرارات المتخذة، كما أن مجلس جهة فاس مكناس، الذي يساهم في دعم عدد من التظاهرات والمشاريع التنموية بالجهة، مطالب بدوره بتشجيع مقاربة تقوم على التوافق وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة الاقتصادية للساكنة المحلية.

فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تنظيم مهرجان ناجح من الناحية الفنية والثقافية، بل في ضمان أن تستفيد المدينة بأكملها من عائداته الاقتصادية والسياحية.

صفرو في حاجة إلى رؤية تنموية متكاملة

الواقع أن النقاش الدائر اليوم يتجاوز مجرد معرض تجاري أو خلاف ظرفي حول تنظيم مهرجان. إنه يعكس حاجة مدينة صفرو إلى رؤية تنموية أكثر وضوحاً، تجعل من التظاهرات الثقافية رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي والتشغيل والسياحة.

فالمدينة تتوفر على مؤهلات تاريخية وثقافية وسياحية مهمة، غير أن استثمار هذه المؤهلات يتطلب إشراك جميع الفاعلين، من منتخبين ومهنيين وجمعيات وساكنة، في إطار شراكة حقيقية تضمن تحقيق المصلحة العامة.

قبل فوات الأوان

ما زال الوقت متاحاً أمام مختلف الأطراف لاحتواء هذا الجدل عبر فتح حوار مباشر ومسؤول مع ممثلي التجار والمهنيين والاستماع إلى ملاحظاتهم ومقترحاتهم.

فنجاح مهرجان حب الملوك لا يقاس فقط بعدد الزوار أو السهرات الفنية، بل يقاس أيضاً بمدى قدرته على تعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وتحقيق أثر اقتصادي إيجابي يشعر به التاجر والحرفي وصاحب المشروع الصغير قبل غيره.

ويبقى الأمل معقوداً على تغليب منطق الحوار والتوافق حتى يظل مهرجان حب الملوك مناسبة للاحتفال بالتراث والتاريخ والهوية، لا سبباً في خلق احتقان كان بالإمكان تفاديه من خلال التشاور والتدبير التشاركي المسؤول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى