ملف الأحد | من فضاء للتواصل إلى صناعة التفاهة.. كيف تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مرآة لاختلالات المجتمع المغربي؟

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
حين دخل المغرب العصر الرقمي دون أن يهيئ نفسه له
لم يكن أحد يتصور قبل عقدين من الزمن أن تتحول شاشة هاتف صغيرة إلى سلطة موازية تنافس الأسرة والمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام والمؤسسات التقليدية في تشكيل الوعي الجماعي للمغاربة. فحين ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، كان الخطاب العالمي المصاحب لها يتحدث عن ثورة تكنولوجية ستقرب المسافات بين الشعوب، وتتيح تبادل المعرفة والثقافات، وتمنح الأفراد فرصة غير مسبوقة للتعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم الإنسانية. كان الحلم أن يصبح العالم أكثر انفتاحاً وتواصلاً، وأن تتحول التكنولوجيا إلى أداة لتحرير المعرفة ونشرها.
لكن ما وقع في المغرب، كما في دول كثيرة، كشف أن التكنولوجيا لا تصنع الوعي بالضرورة، بل قد تتحول إلى أداة لتضخيم الاختلالات الموجودة أصلاً داخل المجتمع. فمع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وانخفاض تكاليف الإنترنت، دخل ملايين المغاربة عالم المنصات الرقمية دفعة واحدة، دون أن يواكب ذلك تكوين حقيقي في الثقافة الرقمية أو التربية الإعلامية أو أخلاقيات النشر. وهكذا وجد المجتمع نفسه أمام فضاء مفتوح بلا حواجز تقريباً، يستطيع فيه أي شخص أن يتحول إلى “مؤثر” أو “صحفي” أو “صانع رأي” أو “خبير” بمجرد امتلاكه هاتفاً وكاميرا وحساباً على إحدى المنصات وحتى أنه لا تستطيع كتابة إسمه على الورق وهو يعاني من أمية متقدمة.
ومع مرور السنوات، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت صناعة قائمة بذاتها، وسوقاً ضخمة للمشاهدات والإعلانات والأرباح، وفضاءً تتصارع داخله القيم والمعايير والمرجعيات الاجتماعية والثقافية.
عندما أصبحت التفاهة أكثر ربحاً من المعرفة
أخطر ما أفرزته المنصات الرقمية ليس التكنولوجيا نفسها، وإنما المنطق الاقتصادي الذي يحكمها. فهذه المنصات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الجيد أو الهادف، بل تكافئ ما يحقق أكبر قدر من التفاعل. وكلما ارتفع عدد المشاهدات والتعليقات والمشاركات ارتفعت الأرباح. وهنا بدأت المعضلة الحقيقية.
في مجتمع يعاني جزء من رجاله و نسائه شبابه و أطفاله من أكثر من 25 في المائة من الأمية،و من البطالة والهشاشة وضعف الفرص الاقتصادية، ظهر أمام الآلاف نموذج جديد للثراء السريع. لم يعد الأمر يتطلب مشروعاً اقتصادياً أو شهادة جامعية أو تجربة مهنية طويلة، بل يكفي أحياناً تصوير الحياة الخاصة ونشرها أمام الجمهور للحصول على آلاف المتابعين ومداخيل شهرية قد تفوق أجور أطر وإداريين وأصحاب كفاءات قضوا سنوات في الدراسة والعمل.
هكذا ولدت ظاهرة “روتيني اليومي”، ثم تطورت إلى صناعة كاملة تقوم على كشف أدق تفاصيل الحياة الشخصية والعائلية. ومع مرور الوقت لم تعد الحدود الفاصلة بين الخاص والعام موجودة تقريباً. البيوت فتحت أبوابها للكاميرات، والعلاقات الأسرية تحولت إلى مادة استهلاكية، والخلافات الزوجية أصبحت حلقات يومية، وحتى المآسي الإنسانية لم تعد بمنأى عن منطق المشاهدات والإعجابات.
لقد اكتشف كثيرون أن الصدمة تبيع أكثر من الفكرة، وأن الإثارة تحقق انتشاراً أكبر من المعرفة، وأن المحتوى السطحي يجذب أحياناً أضعاف ما يجذبه المحتوى الثقافي أو العلمي. وهكذا بدأت معادلة خطيرة تتشكل داخل الفضاء الرقمي المغربي: كلما انخفض مستوى المحتوى ارتفعت فرص انتشاره.
“الأدسنس” وصناعة النجوم الجدد
لم يعد خافياً أن جزءاً كبيراً من المحتوى المنتشر اليوم تحركه حسابات مالية خالصة. فالأموال التي تضخها الإعلانات الرقمية حولت عدداً من الحسابات والقنوات إلى مشاريع تجارية مربحة. وأصبح بعض صناع المحتوى يخططون لكل منشور أو فيديو انطلاقاً من سؤال واحد: كم سيحقق من المشاهدات؟
في هذا السياق ظهر جيل جديد من “المشاهير” لم تصنعهم الجامعات ولا المؤسسات الثقافية ولا الإنجازات العلمية أو الفكرية، بل صنعتهم الخوارزميات. أشخاص انتقلوا في ظرف وجيز من الهامش إلى دائرة الشهرة الواسعة، لا بسبب قيمة ما يقدمونه، بل بسبب قدرتهم على إثارة الجدل أو استقطاب الفضول الجماعي.
والأخطر أن هذه الظاهرة بدأت تؤثر في منظومة القيم داخل المجتمع. فالشباب الذين كانوا يبحثون في السابق عن نماذج ناجحة في مجالات العلم أو الرياضة أو الثقافة، أصبحوا يجدون أنفسهم أمام نماذج جديدة تقدم لهم الشهرة باعتبارها هدفاً في حد ذاته، بصرف النظر عن الوسيلة أو المضمون.
وهكذا تحولت بعض المنصات إلى ما يشبه مصنعاً ضخماً لإعادة تشكيل الذوق العام، حيث تتراجع قيمة المعرفة لصالح قيمة الانتشار، وتتراجع الكفاءة أمام عدد المتابعين، ويتراجع الإنجاز الحقيقي أمام القدرة على صناعة الضجيج.
الإعلام بين المهنية والفوضى الرقمية
إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد أفرزت مؤثرين جدداً، فإنها أفرزت أيضاً نوعاً آخر من الممارسة الإعلامية التي تستحق التوقف عندها. فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت آلاف الصفحات والقنوات التي تقدم نفسها باعتبارها مؤسسات إعلامية أو منابر صحفية، في حين أن جزءاً مهماً منها لا يلتزم بأبسط قواعد المهنة.
أصبحنا أمام مشهد يختلط فيه الصحفي الحقيقي بصانع المحتوى، والمعلومة بالإشاعة، والتحقيق المهني بالتعليق الانفعالي. وأصبح بعض من يقدمون أنفسهم للرأي العام على أنهم صحفيون يكتفون بحمل الهاتف والتجول في الشوارع أو بث مقاطع مباشرة دون تحرير أو تدقيق أو تحقق أو احترام لأخلاقيات المهنة.
والنتيجة أن المواطن أصبح يواجه يومياً سيلاً هائلاً من المعلومات المتناقضة، بعضها صحيح وبعضها مضلل وبعضها مختلق بالكامل. وهو ما يطرح سؤالاً حقيقياً حول مستقبل الإعلام المهني في عصر أصبحت فيه المنافسة غير متكافئة بين مؤسسة صحفية تخضع للقانون والمسؤولية المهنية، وبين صفحات تبحث فقط عن التفاعل السريع.
الإشاعة.. السلاح الأخطر في العصر الرقمي
في الماضي كانت الإشاعة تحتاج أياماً أو أسابيع لتنتشر. أما اليوم فإنها تحتاج دقائق فقط. يكفي مقطع فيديو مبتور أو صورة خارج سياقها أو تدوينة مجهولة المصدر حتى تتحول إلى “حقيقة” يتداولها الآلاف.
وقد شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة عشرات الحالات التي انتشرت فيها أخبار زائفة بشكل واسع، سواء تعلق الأمر بقضايا أمنية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية. وفي كل مرة يتكرر المشهد نفسه: تنتشر الإشاعة بسرعة البرق، ثم يأتي التكذيب متأخراً بعد أن يكون الضرر قد وقع.
إن أخطر ما في الإشاعة الرقمية أنها لا تكتفي بتضليل الأفراد، بل تساهم في إضعاف الثقة داخل المجتمع، وتخلق مناخاً من الشك والارتباك، وتجعل المواطن عاجزاً أحياناً عن التمييز بين الحقيقة والزيف.
الدولة تدخل على الخط.. من التحذير إلى الردع
أمام هذه التحولات المتسارعة، كان من الطبيعي أن تتحرك الدولة لحماية المجتمع من بعض الانحرافات الخطيرة المرتبطة بالفضاء الرقمي. وخلال السنوات الأخيرة شهد الرأي العام المغربي عدداً من المتابعات القضائية التي استهدفت أشخاصاً تورطوا في التشهير والابتزاز الإلكتروني والمس بالحياة الخاصة ونشر الأخبار الزائفة والتحريض والإساءة للغير عبر المنصات الاجتماعية.
وقد شكلت هذه التدخلات رسالة واضحة مفادها أن الفضاء الرقمي ليس منطقة خارج القانون، وأن حرية التعبير لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للفوضى أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
والواقع أن كثيراً من المتابعين يعتبرون أن استمرار هذا الحزم ضروري من أجل حماية المجتمع من بعض الممارسات التي أصبحت تسيء إلى صورة المغرب وإلى قيمه وإلى مؤسساته. فالتكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة المجتمع، لا أن تتحول إلى أداة لابتزازه أو الإساءة إليه.
معركة المغرب الحقيقية ليست مع الهاتف.. بل مع الوعي
الخطأ الكبير الذي يقع فيه البعض هو الاعتقاد بأن المشكلة تكمن في التكنولوجيا نفسها. الحقيقة أن الهاتف ليس مذنباً، والإنترنت ليس مسؤولاً، والمنصات ليست وحدها من يصنع الأزمة. فالمشكل الحقيقي يكمن في طريقة الاستعمال وفي مستوى الوعي المصاحب لهذا الاستعمال.
فالمغرب يعيش اليوم مرحلة انتقالية دقيقة بين مجتمع تقليدي قائم على المرجعيات الكلاسيكية، ومجتمع رقمي مفتوح على العالم بلا حدود تقريباً. وفي مثل هذه المراحل الانتقالية تظهر دائماً اختلالات وتوترات وصراعات قيمية.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع تطبيق أو منصة أو مؤثر بعينه، بل هي معركة بناء وعي جماعي جديد يجعل المواطن قادراً على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين التعبير والتشهير، وبين الإعلام الحقيقي والضجيج الرقمي.
من ينقذ العقل المغربي من فوضى الشاشة؟
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للترفيه أو التواصل، بل أصبحت قوة اجتماعية واقتصادية وثقافية هائلة التأثير. إنها اليوم تصنع النجوم، وتشكل الرأي العام، وتؤثر في القيم والسلوكيات، وتعيد رسم الحدود بين الخاص والعام.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في قوة هذه المنصات، بل في ضعف المناعة المجتمعية أمامها. فكلما تراجع الوعي، تمددت التفاهة. وكلما غابت الثقافة النقدية، انتشرت الإشاعة. وكلما تراجعت قيمة المعرفة، صعدت الأصوات الباحثة عن الربح السريع والشهرة السهلة.
إن مستقبل المغرب الرقمي لن يتحدد بعدد الهواتف الذكية أو سرعة الإنترنت أو حجم المتابعين، بل سيتحدد بقدرته على حماية العقل الجماعي من الاستلاب الرقمي، وعلى إعادة الاعتبار للمعرفة والإبداع والإعلام المهني في زمن أصبحت فيه الشاشة أقوى من كثير من المؤسسات التقليدية.
وإذا كان القانون قد بدأ يفرض حضوره داخل الفضاء الرقمي، فإن الرهان الأكبر يظل هو بناء مواطن رقمي مسؤول، لأن المجتمعات لا تحميها القوانين وحدها، بل يحميها الوعي قبل كل شيء.






