من سنوات الرماد إلى “انفراجة” معطوبة: النقل الحضري بفاس.. أسطول “إيصال” الجديد في مواجهة عشوائية التدبير وغياب البنية التحتية

يشهد قطاع النقل الحضري بمدينة فاس مرحلة انتقالية دقيقة، بعد سنوات طويلة من التدهور الذي طبع خدمات الحافلات، حيث ظل القطاع يُصنَّف محلياً ضمن أكثر الملفات الاجتماعية تعقيداً، بسبب ضعف الأسطول القديم، وتراجع شروط السلامة، وغياب انتظام في الخدمة، ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية والتنقل داخل المدينة.
ومع إطلاق أسطول جديد عبر شركة “إيصال”، بدعم من السلطات المركزية، خصوصاً وزارة الداخلية، ارتفعت التوقعات بإحداث قطيعة مع مرحلة “الارتجال”، وإعادة بناء منظومة نقل حضري حديثة تواكب التحولات العمرانية التي تعرفها المدينة. غير أن المعطيات الميدانية، بعد أشهر من التشغيل، تكشف عن استمرار عدد من الإشكالات البنيوية التي تحد من فعالية هذا التحول.
أسطول جديد في بيئة قديمة
رغم دخول ما يقارب 250 حافلة حديثة الخدمة، وفق معطيات ميدانية متداولة، فإن البنية التحتية المرافقة لم تعرف التحديث نفسه، وهو ما خلق فجوة واضحة بين “وسيلة نقل حديثة” و”فضاء حضري غير مهيأ”.
ففي عدد من المحاور الطرقية الرئيسية، ما تزال محطات الوقوف تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات الأساسية، حيث ينتظر الركاب في فضاءات غير مهيأة، دون مظلات أو مقاعد أو تنظيم واضح لنقاط التوقف، ما يجعل تجربة النقل اليومي مرتبطة بظروف مناخية قاسية أحياناً، وبغياب معايير احترام كرامة المستعمل.
كما يلاحظ غياب شبه تام لأنظمة التشوير الخاصة بالنقل الحضري، سواء تعلق الأمر بلوحات تعريف الخطوط أو أرقام الحافلات أو توقيت المرور، ما يجعل التنقل داخل المدينة يعتمد بشكل كبير على التجربة الشخصية والتخمين، بدل نظام معلوماتي واضح ومؤطر.
اختلال في منظومة المعلومات والخدمات
من أبرز الاختلالات المسجلة كذلك ضعف منظومة الإخبار والتوجيه، في غياب تطبيقات رقمية فعالة أو خرائط حضرية محدثة تُمكن المواطنين من تتبع الحافلات أو معرفة المسارات بدقة.
هذا الغياب يعكس، وفق متابعين، محدودية التكامل بين التشغيل التقني للأسطول الجديد وبين البنية التحتية الرقمية والتنظيمية المفترض أن ترافقه، وهو ما يطرح سؤال الحكامة في تدبير المرحلة الانتقالية للنقل الحضري.
الربط الحيوي الغائب: مطار فاس سايس خارج الخدمة النقلية المباشرة
رغم الموقع الاستراتيجي لمدينة فاس، باعتبارها قطباً سياحياً وثقافياً مهماً، فإن الربط المباشر بين المرافق الحيوية ما يزال محدوداً، وعلى رأسها مطار مطار فاس سايس ومحطة القطار ومركز المدينة ورغم تخصيص خط 16 للمطار فإنه لا يخدم السياح و لا الزوار و لا افراد الجالية و الذين يختلطون مع التلاميذ و الساكنة،وهو ما يستوجب وضع خط جديد و خاصة و بأثمنة تحفيزية لا تتعدى 20 درهم و كذلك إنتظام الخطوط مع الرحلات الجوية،و تمديد ساعات العمل ليلا و صباحا .
ويعتبر غياب خط نقل مباشر ومنتظم (Navette) بين هذه النقاط الحيوية أحد أبرز النواقص المسجلة، خاصة في ظل ارتفاع حركة السياحة الدولية، واستعداد المغرب لاستحقاقات كبرى في أفق 2030، ما يجعل هذا الربط ضرورة استراتيجية أكثر منه خدمة إضافية.
نظافة الحافلات وسلوك الاستعمال
إلى جانب الإشكالات التقنية، يطرح ملف النظافة داخل الحافلات بواجهة الحافلات خارجيا بدوره تحدياً حقيقياً، حيث يتم تسجيل تفاوت في جودة الصيانة والتنظيف اليومي، ما يؤثر على صورة الخدمة العمومية ويقلل من جاذبيتها.
غير أن هذا الجانب يرتبط أيضاً بسلوكيات بعض المستعملين، ما يفرض مقاربة مزدوجة تقوم على المراقبة الصارمة من جهة، وتعزيز ثقافة احترام المرفق العام من جهة أخرى، باعتبار أن الحافلة العمومية ملك جماعي وليست مجرد وسيلة نقل عابرة.
مشروع “الباصواي”.. تحدي المرحلة المقبلة
تستعد المدينة لإطلاق مشروع النقل عالي الجودة “الباصواي”، الذي يُراهن عليه كتحول نوعي في منظومة التنقل الحضري، غير أن هذا المشروع يواجه تحدياً واضحاً يتمثل في مدى قدرة المدينة على ضبط نظام النقل الحالي أولاً، قبل الانتقال إلى مشاريع أكثر تعقيداً من الناحية التقنية والتنظيمية.
ويرى متابعون أن نجاح هذا الورش المستقبلي مرتبط بشكل مباشر بمدى معالجة الاختلالات الحالية، خاصة ما يتعلق بالمحطات، التشوير، والانسيابية التنظيمية.
إشكال الحكامة وتعدد المتدخلين
يُظهر واقع النقل الحضري بفاس أن الإشكال لا يرتبط فقط بالشركة المفوض لها التدبير، بل يتجاوز ذلك إلى تعدد المتدخلين وغياب التنسيق الفعّال بين السلطات الترابية والجماعات المحلية والجهات التقنية المعنية بالبنية التحتية.
هذا الوضع يخلق نوعاً من “تداخل المسؤوليات”، ما يؤثر على سرعة اتخاذ القرار وتنفيذ الإصلاحات الضرورية في الوقت المناسب.
يبدو أن قطاع النقل الحضري بفاس يعيش مرحلة “انفراجة تقنية غير مكتملة”، حيث تم تحديث الأسطول دون استكمال تحديث البيئة الحضرية المرافقة له. وبين الطموح إلى بناء منظومة نقل حديثة، والواقع الذي ما يزال يعاني من اختلالات تنظيمية وبنيوية، يظل الرهان الحقيقي هو تحقيق التكامل بين الوسيلة والبنية التحتية والحكامة.
فبدون هذا التكامل، ستظل أي إصلاحات جزئية معرضة للتعثر، مهما كانت جودة الحافلات أو حجم الاستثمار، لأن النقل الحضري لا يُقاس فقط بالمركبة، بل بالمنظومة الكاملة التي تحيط بها.






