قضايا

الرشيدية.. نزاع قبلي حول أرض سلالية يمنع دفن سيدة حتى ساعات متأخرة من الليل ويُشعل غضب الساكنة

تحولت منطقة “أغبالو نكردوس” التابعة لإقليم الرشيدية، خلال الساعات الماضية، إلى بؤرة توتر واحتقان اجتماعي غير مسبوق، بعدما تسبب نزاع قبلي قديم حول أراضٍ سلالية في تعطيل دفن سيدة متوفاة لساعات طويلة امتدت حتى ساعات متأخرة من الليل، في مشهد صادم هز الرأي العام المحلي وأعاد إلى الواجهة أزمة تدبير النزاعات العقارية بالعالم القروي.

الواقعة التي وصفتها فعاليات محلية بـ”الإنسانية المؤلمة”، اندلعت بعدما حاولت أسرة الراحلة مباشرة إجراءات الدفن داخل مقبرة تقع بمنطقة متنازع عليها بين قبيلتي “تغنبوت” و”آيت عبد الصمد”، غير أن الخلاف القائم منذ سنوات حول ملكية الأرض وحدود النفوذ القبلي سرعان ما تفجر من جديد، ليتحول إلى مواجهة مفتوحة عطلت مراسم الجنازة وأجبرت الأسرة على إعادة الجثمان إلى المنزل وسط حالة من الذهول والاستياء.

ووفق معطيات متطابقة تداولتها مصادر محلية ومنابر إعلامية، فإن النزاع لا يرتبط فقط بمسألة الدفن، بل يتجاوزها إلى صراع طويل حول أراضٍ سلالية تعتبرها كل قبيلة امتداداً لنفوذها التاريخي والاجتماعي، وهو ما جعل كل خطوة داخل المجال الترابي المتنازع عليه تُقرأ باعتبارها محاولة لفرض “الأمر الواقع”.

وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر من قبيلة “آيت عبد الصمد” أن قرار التوجه إلى المقبرة المذكورة جاء بسبب امتلاء المقبرة الأصلية وعدم وجود فضاء جديد للدفن، شددت مصادر من “تغنبوت” على أن الخلاف يتعلق أساساً باستغلال أرض جماعية متنازع عليها، معتبرة أن استعمالها في عملية الدفن قد يُفهم كإقرار ضمني بملكية الطرف الآخر للأرض.

وتطور الوضع الميداني سريعاً إلى مشادات ومواجهات كلامية وتجمعات غاضبة بين الطرفين، قبل أن تشهد المنطقة استنفاراً أمنياً واسعاً، حيث تدخلت عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة والسلطات المحلية لتطويق التوتر ومنع أي انزلاق خطير قد يهدد السلم الاجتماعي بالمنطقة.

وأكدت مصادر محلية أن حالة الاحتقان استمرت إلى ساعات متأخرة من الليل، في ظل فشل محاولات الوساطة الأولى التي قادها أعيان ووجهاء المنطقة، وهو ما حال دون تمكين أسرة الراحلة من دفنها في الوقت المناسب، الأمر الذي خلف غضباً واسعاً وسط الساكنة التي اعتبرت أن حرمة الموتى يجب أن تبقى فوق كل الاعتبارات القبلية والعقارية.

وفي خضم هذا التوتر، خرج عدد من سكان المنطقة في مسيرة احتجاجية باتجاه مدينة الرشيدية، مطالبين بتدخل عاجل وحاسم من السلطات الإقليمية ووزارة الداخلية لاحتواء الأزمة ووضع حد للنزاع العقاري الذي عمر طويلاً دون حلول جذرية.

كما أثارت الواقعة موجة تفاعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر العديد من النشطاء عن استنكارهم لما وصفوه بـ”المشهد المؤلم الذي تجاوز كل الحدود”، معتبرين أن استمرار النزاعات السلالية دون تسوية قانونية واضحة أصبح يهدد الاستقرار الاجتماعي بعدد من المناطق القروية، خاصة حين تمتد تداعياتها إلى ملفات إنسانية مرتبطة بالموت والدفن وكرامة الأسر.

وتعيد هذه الحادثة النقاش مجدداً حول تعقيد ملف الأراضي السلالية بالمغرب، وهو الملف الذي ظل لعقود من أكثر القضايا حساسية بالمجال القروي، بالنظر إلى تشابك الأعراف القبلية بالمقتضيات القانونية وضعف التسويات النهائية للنزاعات التاريخية المرتبطة بالملكية والحدود والاستغلال.

ويطالب متابعون للشأن المحلي بضرورة فتح حوار جدي بين مختلف الأطراف، تحت إشراف السلطات المختصة، من أجل إيجاد حلول مستدامة تحفظ الحقوق وتجنب المنطقة مزيداً من الاحتقان، خاصة أن استمرار الوضع الحالي قد يُنتج توترات أكبر يصعب احتواؤها مستقبلاً.

وفي انتظار ما ستؤول إليه جهود الوساطة والتهدئة، تبقى الواقعة واحدة من أكثر الأحداث الاجتماعية إثارة للجدل خلال الساعات الأخيرة، بعدما تحولت جنازة سيدة إلى عنوان بارز لأزمة أعمق تعكس حجم الاحتقان المرتبط بالنزاعات السلالية والهشاشة الاجتماعية ببعض مناطق المغرب العميق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى