قضايا

زلزال داخل الصفقات العمومية.. مفتشو المالية يطاردون شبكات التزوير وتفويت المليارات لشركات محظوظة

فتحت مصالح التفتيش التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية واحدة من أخطر ملفات الاختلالات التي هزّت منظومة الصفقات العمومية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت عمليات افتحاص دقيقة عن شبهات ثقيلة تتعلق بتفويت صفقات بمليارات الدراهم لفائدة شركات يشتبه في اعتمادها على وثائق مزورة وتحايلات ممنهجة لاختراق مساطر المنافسة والاستحواذ على الطلبيات العمومية.

وحسب المعطيات المتداولة داخل دوائر الرقابة المالية، فإن عناصر المفتشية العامة للمالية باشرت مهام تدقيق واسعة شملت في مرحلة أولى إحدى عشرة مؤسسة ومقاولة عمومية، في إطار تحقيقات تروم تفكيك شبكات التلاعب التي حولت بعض الصفقات العمومية إلى مجال مغلق تستفيد منه شركات بعينها على حساب مبدأ تكافؤ الفرص وشفافية المنافسة.

التحقيقات الأولية كشفت معطيات صادمة حول استعمال وثائق مشبوهة للحصول على صفقات ضخمة، من بينها ضمانات بنكية يلفها الغموض، وشهادات إبراء ضريبي غير مطابقة للواقع، وتصريحات مرتبطة بالأجراء والضمان الاجتماعي تحمل تناقضات خطيرة مع المعطيات الرسمية المتوفرة لدى المؤسسات المختصة. وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال الرقابة على المال العام، ومدى قدرة منظومة الصفقات العمومية على التصدي لأساليب التحايل المتطورة التي أصبحت تستهدف المشاريع العمومية.

ولم تأت هذه التحركات الرقابية من فراغ، بل جاءت بعد توصل مصالح التفتيش بسلسلة من الشكايات والتقارير التي تحدثت عن إقصاء شركات ومقاولات بطرق وصفت بغير الشفافة، مقابل تمكين شركات أخرى من الفوز المتكرر بصفقات ضخمة رغم وجود مؤشرات واضحة على اختلال ملفاتها الإدارية والتقنية.

وفي قلب هذه التحقيقات، يبرز الاشتباه في وجود علاقات مشبوهة بين بعض أرباب الشركات ومسؤولين داخل أقسام المشتريات والطلبيات العمومية، حيث تشير المعطيات الأولية إلى احتمال وجود تواطؤ مكّن شركات محددة من تجاوز الملاحظات القانونية والتنبيهات المرتبطة بملفاتها، بل وحتى التغاضي عن سوابق مرتبطة بتقديم وثائق مزورة في صفقات سابقة.

المثير في هذه القضية أن مفتشي المالية وقفوا على أساليب احتيال وصفت بـ”المحكمة”، اعتمدت فيها بعض الشركات على إغراق ملفاتها بوثائق إضافية وشهادات جودة وخبرة لم تكن مطلوبة أصلا في دفاتر التحملات، فقط لإضفاء صورة زائفة من المصداقية والكفاءة أمام لجان الصفقات، والتأثير على قرارات الإسناد لصالحها.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن التلاعبات همّت بشكل خاص الصفقات المتوسطة المرتبطة بأشغال التهيئة والتجهيزات التقنية الدقيقة، وهي المجالات التي تعرف عادة تعقيدات إدارية ووثائق متعددة، ما جعلها أرضية خصبة لاستغلال الثغرات وضعف آليات التحقق من صحة الوثائق والمعطيات المقدمة.

وتكشف هذه التطورات عن حجم التحديات التي تواجهها الدولة في معركة تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل استمرار محاولات الالتفاف على القوانين المنظمة للصفقات العمومية وتحويلها إلى مجال لتضارب المصالح واستنزاف المال العام.

كما تعيد هذه التحقيقات النقاش بقوة حول فعالية منظومة المراقبة القبلية والبعدية داخل المؤسسات العمومية، ومدى صرامة الإجراءات المعتمدة للتحقق من الوثائق المقدمة من طرف الشركات المتنافسة، خصوصا وأن القانون المنظم للصفقات العمومية يمنح الإدارات صلاحيات واسعة لإقصاء كل شركة يثبت تورطها في الغش أو الإدلاء بمعطيات كاذبة أو وثائق مزورة.

ويبدو أن الدولة تتجه نحو تشديد الخناق على كل مظاهر العبث بالصفقات العمومية، في سياق يتسم بارتفاع المطالب الشعبية بتخليق الإدارة وحماية المال العام وضمان تكافؤ الفرص بين المقاولات، بعيدا عن منطق الامتيازات والاحتكار واستغلال النفوذ.

فالرسالة التي بدأت تتضح من خلال هذه التحركات الرقابية هي أن مرحلة التساهل مع شبكات التلاعب بالطلبيات العمومية لم تعد مقبولة، وأن المؤسسات الرقابية أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بفتح الملفات الثقيلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمليارات الدراهم التي يفترض أن توجه لخدمة التنمية والمصلحة العامة، لا أن تتحول إلى غنائم تتقاسمها شبكات المصالح والصفقات المشبوهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى