بنكيران يهاجم حكومة أخنوش وينسى “عشرية العجاف”.. هل يحاول “البيجيدي” العودة على أنقاض ذاكرة المغاربة؟

عاد عبد الإله ابن كيران إلى منصة الخطابة من جديد، بنفس اللغة الشعبوية الحادة، وبنفس القاموس السياسي الذي اعتاد عليه المغاربة منذ سنوات: الحديث عن “تجار السياسة”، واتهام الحكومة الحالية بالفشل، وتقديم نفسه كصوت للصدق والنزاهة والدفاع عن الشعب. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة داخل المشهد السياسي المغربي هو: بأي وجه يعود بنكيران ليتحدث عن الوعود الكاذبة، بينما لا تزال ذاكرة المغاربة مثقلة بعشر سنوات عجاف قاد فيها حزبه الحكومة وترك خلفه إرثا ثقيلا من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية؟
في خرجة جديدة خلال المهرجان الختامي للأبواب المفتوحة لحزب العدالة والتنمية بمدينة فاس أمس الأحد(17 ماي 2026)، حاول بنكيران أن يقدم نفسه مجددا كمعارض شرس للحكومة الحالية، مهاجما ما وصفه بـ”الزواق” والوعود الفارغة، ومتحدثا عن نهب البلاد واحتقان الشارع الاجتماعي. لكن المفارقة الصادمة أن الرجل الذي يتحدث اليوم عن معاناة المواطنين، هو نفسه من قاد حكومة رفعت سن التقاعد، وجمدت التوظيف، وأثقلت القدرة الشرائية للمغاربة، ووسعت دائرة الاحتقان الاجتماعي الذي لا تزال البلاد تؤدي فاتورته إلى اليوم.
لقد جاء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة على وقع رياح “الربيع العربي”، وركب موجة الغضب الشعبي والشعارات الإصلاحية، مقدما نفسه كبديل أخلاقي وسياسي قادر على إنقاذ المغرب من الفساد والريع. لكن بعد عقد كامل من التسيير الحكومي، اكتشف المغاربة أن الخطاب شيء، والواقع شيء آخر. فبدل تنزيل وعود العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، تحولت التجربة إلى سلسلة من القرارات المؤلمة التي مست الطبقة المتوسطة والفقيرة، بينما ظل الفساد نفسه قائما، بل أكثر تغولا في بعض القطاعات.
واليوم، يحاول بنكيران استعادة بريقه السياسي عبر مهاجمة حكومة عزيز أخنوش، والتركيز على ملف المحروقات والأرباح الكبرى، في خطاب يلامس غضب الشارع ويحاول استثماره انتخابيا. غير أن المغاربة يتساءلون: أين كان هذا “القلب على الشعب” عندما كانت حكومته توقع على قرارات قاسية باسم الإصلاح؟ وأين كانت هذه الجرأة السياسية عندما تحولت الوعود الانتخابية إلى إجراءات تقشفية أرهقت الأسر المغربية؟
بنكيران يتحدث اليوم عن الصدق والأمانة وكأن حزبه لم يكن جزءا من مرحلة فقد فيها المواطن الثقة في السياسة والأحزاب. فالعدالة والتنمية، الذي قدم نفسه كحزب نظيف اليدين، انتهى به الأمر إلى السقوط المدوي انتخابيا، بعدما شعر المغاربة أن الحزب الذي وعد بالدفاع عنهم، انشغل بتبرير القرارات الصعبة أكثر من الدفاع عن الفئات الهشة.
ولعل أخطر ما في خطاب بنكيران الحالي، هو محاولته تصوير نفسه كمنقذ سياسي جديد، رغم أن حصيلته الحكومية لا تزال حاضرة في ذاكرة الشارع المغربي. فالرجل الذي يقول اليوم إن البلاد تحتاج إلى “بديل صادق”، كان على رأس السلطة لعشر سنوات كاملة، وكانت أمامه كل الفرص لإحداث التحول الذي يتحدث عنه الآن، لكنه غادر المشهد تاركا خلفه غضبا اجتماعيا، واحتجاجات متفرقة، وتراجعا كبيرا في الثقة السياسية.
إن العودة إلى المعارضة بعد مغادرة السلطة لا تمنح صك البراءة، كما أن مهاجمة الحكومة الحالية لا تمحو أخطاء الماضي. فالمغاربة لم يعودوا يقيسون السياسة بالشعارات والخطب الحماسية، بل بالحصيلة والنتائج. وبين خطاب بنكيران اليوم، وواقع مرحلة العدالة والتنمية بالأمس، تبدو المسافة شاسعة بين الكلام والممارسة.
لقد أدرك جزء واسع من الرأي العام أن الأحزاب التي صعدت على أكتاف احتجاجات الشارع، مطالبة اليوم أولا بمراجعة تجربتها وتقديم نقد ذاتي حقيقي، بدل محاولة إعادة تدوير نفس الخطاب الشعبوي الذي استهلكته السنوات. لأن المغرب، وهو يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبرى، يحتاج إلى حلول واقعية ورؤية مسؤولة، لا إلى مزايدات سياسية وخطابات انتخابية مبكرة تعيد إنتاج نفس الوعود القديمة بوجوه مختلفة.






