قضايا

وزارة الداخلية تشدد الخناق على البناء العشوائي في سياق انتخابي وتطلق مقاربة استباقية لحماية المجال العمراني

في توجه يعكس تشديداً واضحاً في تدبير قطاع التعمير، أصدرت المصالح المركزية لوزارة الداخلية توجيهات صارمة موجهة إلى ولاة وعمال العمالات والأقاليم، تدعو إلى رفع مستوى اليقظة الميدانية وتكثيف المراقبة على توسع البناء العشوائي داخل مختلف النفوذ الترابية، مع اعتماد مقاربة استباقية صارمة تهدف إلى قطع الطريق أمام أي استغلال محتمل لهذا الملف في سياقات مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وتأتي هذه التعليمات، وفق معطيات متطابقة، في إطار خطة وقائية شاملة تروم مواجهة تمدد ظاهرة البناء غير القانوني، التي سبق أن عرفت خلال فترات سابقة انتشاراً ملحوظاً، خاصة في محيط المدن الكبرى، حيث تستغل بعض الحالات الهشاشة الاجتماعية وغياب الوعاء العقاري المهيكل لتشييد بنايات غير مرخصة في وقت قياسي وبدون احترام ضوابط التعمير.

كما أفادت مصادر مطلعة أن المصالح المركزية لوزارة الداخلية باشرت اتصالات مباشرة مع عدد من المسؤولين الترابيين على مستوى الجهات والأقاليم، بهدف تعزيز التنسيق الميداني وتحيين المعطيات المرتبطة بالبؤر التي تعرف تمدداً عمرانياً غير قانوني، مع التشديد على ضرورة التدخل الفوري والحازم منذ المراحل الأولى لأي خرق، بدل تركه يتوسع ويصعب احتواؤه لاحقاً.

وفي هذا السياق، تلقت السلطات الترابية تعليمات واضحة بعدم التساهل مع أي شكل من أشكال التراخي أو التواطؤ، مع التأكيد على ضرورة ترتيب الجزاءات الإدارية في حق كل من يثبت تقصيره أو تورطه، سواء تعلق الأمر برجال السلطة أو بالأعوان الميدانيين، في إطار تفعيل صارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما دعت التوجيهات الجديدة القواد والباشوات ورؤساء الدوائر إلى مواكبة يومية دقيقة لوضعية التعمير داخل نفوذهم، عبر إعداد تقارير ميدانية محيّنة بشكل منتظم، ورصد أي توسع غير قانوني، مع التبليغ الفوري عن تحركات مشبوهة قد ترتبط بالبناء العشوائي أو السمسرة العقارية غير المشروعة.

وتشير معطيات ميدانية إلى أن السلطات المركزية تستحضر حصيلة حملات سابقة أسفرت عن اتخاذ إجراءات تأديبية في حق عدد من رجال السلطة وأعوانهم، شملت التوقيف والتنقيل والتوبيخ، إضافة إلى إحالة ملفات أخرى على المجالس التأديبية، بسبب تسجيل تقصير أو تهاون في التعاطي مع خروقات التعمير.

وفي سياق متصل، شددت التوجيهات الجديدة على ضرورة التعامل الصارم مع كل البنايات المشيدة فوق أراض غير مهيأة أو بمحاذاة مجاري الأودية والمناطق المعرضة للمخاطر الطبيعية، في ظل ما أظهرته تقارير ميدانية من تنامي نشاط شبكات وسماسرة البناء العشوائي، الذين يستغلون فترات معينة وظروفاً خاصة لإطلاق عمليات بناء سريعة وغير قانونية.

كما كشفت تقارير مرتبطة بهذا الملف عن وجود شبكات منظمة راكمت أرباحاً مهمة من هذه الأنشطة، مستفيدة من ثغرات في المراقبة واختلالات في التطبيق الميداني للقوانين، خصوصاً في بعض ضواحي الحواضر الكبرى، وهو ما دفع إلى التفكير في تعزيز آليات المراقبة عبر وسائل تكنولوجية حديثة، من بينها الطائرات المسيرة (الدرونات)، بهدف رصد التوسع العمراني غير القانوني وتحيين المعطيات بشكل دوري.

ويرتبط هذا التحرك أيضاً، وفق المعطيات نفسها، بتقارير تحذيرية سابقة نبهت إلى احتمال تصاعد وتيرة البناء غير القانوني خلال الفترات السابقة للانتخابات، حيث يتم تسجيل حالات استغلال لبعض الأوضاع الاجتماعية الهشة، في ظل الضغط المرتبط بالطلب على السكن وتعقيد مساطر الترخيص في عدد من المناطق.

وتسعى وزارة الداخلية من خلال هذه المقاربة الجديدة إلى فرض انضباط صارم في مجال التعمير، وتفعيل آليات الزجر والهدم دون استثناء، مع التأكيد على أن أي تهاون في التطبيق سيواجه بمساءلة مباشرة، في إطار رؤية تعتبر احترام القانون في البناء أساساً لحماية المجال العمراني وترسيخ العدالة المجالية على المستوى الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى